قراءة في أحوال المجتمع المغربي

أغسطس 11th, 2009 كتبها محمد نبيل نشر في , صحافة, فلسفة, نصوص

في معنى "البؤس الفرح"

محمد نبيل*

 

 

 

 

 

"إنه القحط.. مرة أخرى ! وفي مواسم القحط تتغير الحياة والأشياء، وحتى البشر يتغيرون، وطباعهم تتغير، تتولد في النفوس أحزان تبدو غامضة أول الأمر، لكن لحظات الغضب، التي كثيرًا ما تتكرر، تفجّرها بسرعة، تجعلها معادية، جموحًا، ويمكن أن تأخذ أشكالاً لا حصر لها".   "عبدالرحمن منيف، نهايات".

 

 

 

مقدمة:

ترددت كثيرا قبل أن أحرر هذه الورقة حول أحوال المجتمع المغربي، نظرا لأسباب عدة، أجملها في تعقد الظاهرة المغربية، (نشير هنا إلى أن الإنسان ظاهرة معقدة و شمولية، لكن الإنسان المغربي له خصوصية في هذا التعقد)، حين يتحول المجتمع المغربي من حالة التناقض و التنافر و المفارقة، إلى حالة الزئبقية و الغموض، الشيء الذي يُصعب مهمة الباحث. هذا الأمر يجعلني أقر، منذ البداية، بأن مساهمتي، تأتي فقط كمحاولة للدخول في رهان الفهم، "فهم المغاربة كأفراد و جماعات، عبر بناء مجال المعرفة، التي من شأنها أن تسهم في خلق تواصل ثقافي و اجتماعي ممكن.

 

 

 

 

والتساؤلات التي أنطلق منها في هذا العمل هي كالآتي: إلى أي حد يمكن أن نقول، إن المجتمع المغربي يتغير أو يتحول أو هو في مرحلة تطور أو تراجع ؟ هل ما يحدث في المغرب حاليا، يعتبر مرحلة انتقالية نحو محطة مغايرة، كما يقول البعض، أم أن ما يقع في مغرب اليوم، هو مجرد لحظة انفصام مغربية قوية، لم تتضح معالم تشخيصها بعد؟ من يقدر على فهم الفرد و الجماعة في المغرب، في ظل تناقضات و مفارقات تغرق المجتمع كل يوم وتربك التحليل؟ هل ما يحدث داخل المجتمع المغربي على مستويات عدة، هو وليد اللحظة، أم نتيجة تفاعلات ما بعد مرحلة " الاستقلال"، أم أن الأمر مجرد أعراض لأمراض اجتماعية، لها جذور في ماضي المغاربة التاريخي؟

 

 

 

 

 

 

في معنى "البؤس الفرح"

قبل كل شيء، إن الظواهر التي بدأت تنتشر في المجالات الاجتماعية المغربية، تقدم لنا مادة أولية، يمكن أن نخضعها للملاحظة السوسيولوجية، مستأنسين بالقراءات العلمية، و "التأويلات الرائجة"،إعلاميا و سياسيا ، والتي تحاول فهم أحوال المجتمع المغربي. هذه القراءات والتأويلات تقدم لنا المغرب، إما في إطار صورة جميلة و فرحة، و إما كصورة للبؤس و الأزمات، لكن وراء الصورتين / الخطابين، يكمن واقع مغربي آخر، غريب جدا، ويجمع مفارقات عدة. ففي قلب الحياة اليومية للسواد الأعظم من المغاربة، تظهر علامات التمزق الاجتماعي، و على سبيل المثال لا الحصر، العديد من المغاربة، يتوفرون داخل بيوتهم على الأدوات التقنية والتكنولوجيا (التي يصدرها الغرب المتطور)، ويستهلكون ما تنتجه العقلانية في أوروبا و آسيا و أمريكا، كالصحون اللاقطة، والشاشات العصرية، وعدد لا يحصى من الأدوات التي يستعملونها يوميا، لكن نسبة مهمة منهم، لا يتوفرون على أدنى شروط الحياة البيولوجية، كغياب المراحيض الصحية، ضيق مكان الممارسة أو الاستمتاع الجنسي، …الخ . ونعلم جيدا أن المكان و الفضاء داخل الأسرة، يلعبان دورا مهما في التوازن النفسي و الاجتماعي لأفراد الأسرة، حسب أبحاث ودراسات عدد من المختصين. السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن تحقيق هذا التوازن في ظل اختلال جنسي أسري؟

 

 إن الممارسة الجنسية ضرورة ذات دلالة، و لها أبعاد متعددة ترتبط بالمقدس و اللذة. "فالاتحاد الجنسي، ما هو إلا لذة صغرى بالمقارنة مع اللذة الكبرى، لذة الاتحاد بالله، لذة الفناء في الله. استمرارية عميقة في المقدس بين النكاح والصلاة، نجد تعبيرا واضحا عنها في "فصوص الحكم" لابن عربي".( انظر عبدالصمد الديالمي، في ذكورية المدينة العربية الإسلامية) .

 

 إن الحيز المكاني ونقصد به الدار أو البيت أو حتى فضاء المدينة أو القرية، مهم للغاية، وعندما يضيق مجاله ، تضيق معه المتعة و الراحة الجنسية، وهو الأمر الذي يؤثر على السلوك الفردي و الجماعي، فالعلاقة بين المجال و الجنس علاقة لا شعورية، تتجلى في وقائع و علامات المجتمع. "فالكثير من المساكن الحضرية ليست وظيفية جنسيا، بمعنى أنها لا تسمح بإشباع الرغبة الجنسية على أكمل وجه. لماذا؟ لأن مسلسل التحضر لم يعن سوى تقلص حجم المسكن، ولم يعن تقلص حجم الأسرة. فالإحصاءات الوطنية المتتالية، بينت أن الأسر الكبيرة الحجم هي الأكثر عددا، وأنها في تصاعد مطرد، الشيء الذي يناقض منطق التحضر في معناه السوسيولوجي… إن مسألة الاكتظاظ في الغرفة الواحدة، تأخذ بعدا أخطر عند ربطها بالممارسة الجنسية. كيف يتم اقتسام مجال المنزل ليلا؟ من ينام مع من؟ هل يتمكن الزوجان من الاختلاء؟ هل يسمح الاكتظاظ بحميمية زوجية كاملة؟" (انظر  بهذا الخصوص كتابات و أبحاث حول موضوع الجنس، د. عبدالصمد الديالمي).

 

هذه الورقة لا تدعي الجواب الكافي و الشافي، عن سؤال أسباب وصول المجتمع المغربي إلى هذه الحالة من التمزق الاجتماعي، بل هي مساهمة أولا، في بناء مجال المعرفة حول هذا المجتمع ، وثانيا مساءلة الممكن، و المشاركة في تأسيس إدراك موضوعي للمجتمع  المغربي الذي يظل ، في عدد من حالاته، عصيا على الفهم، و في غياب الفهم الذاتي، يستحيل أن يسود التنوير داخل المجتمع، على حد تعبير الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الذي يجيبنا عن كيف يمكن للإنسان أن يخرج من قصوره، ويقدر على استخدام فهمه دون قيادة الغير.( راجع نص: ماهو التنوير،؟ لإيمانويل كانط).

 

 

 

 

إن الجمع بين كلمتي " البؤس و الفرح" في الذات والصفات المغربية الواحدة، الغرض منه التعبير عن الوجه المعقد جدا، و المتشابك للمجتمع المغربي، و هذا الأمر يفهم إلى حد ما، عند ما نربط الحالتين "بالضياع" الذي تطبع العديد من أوجه المجتمع. وأعني بكلمة "ضياع" حالة "اللافهم" العسير التي تسكن الذات المغربية، في مقابل حالة "الفهم الواضح" الذي يسمح نظريا على الأقل، بالحديث عن مفهوم "الأزمة ".

 

وبما أن الهدف هو إدراك الطوق المفقود، لابد من توضيح هذا الجمع الغريب بين بؤس المغربي (مؤشراته هي ارتفاع نسبة الفقر و الأمية، وهبوط معدل النمو، و غياب شروط البحث العلمي، و تراجع القراءة بشكل فضيع في صفوف الشباب، انحصار حرية التعبير، ضعف الثقافة الصحفية مهنيا و أخلاقيا، تخلف التربية و التعليم، وتراجع معدلات التنمية…الخ)، و فرحته الظرفية التي يعبر عنها في مناسبات عدة، و كأنها قاعدة تؤسس سلوكه اليومي. (يمكن ملاحظة حالات الابتهاج المغربي أمام شاشات التلفزيون، في الشارع، في تجمعات ولقاءات الأفراد و الجماعات…الخ ). وإن وظفنا لغة الفيلسوف "رينيه ديكارت"، يمكن القول، إن هذا التكيف و الانصهار الشقي للفرد المغربي، يقع داخل مجتمع يضمر الجوهر ويظهر العَرَض.

 

 

 

 

الأشياء و الظواهر التي تحصل في المجتمع المغربي على مستويات سيكولوجية واجتماعية و اقتصادية و إعلامية تدفع الباحث، ليس فقط إلى إخضاع الوقائع إلى التفكيك و إعادة البناء، بل النظر كذلك في هذه الذات المغربية، كدليل (بالمعنى اللساني) على وجود شروط ما تؤسسها، و نعني بذلك، أسباب تشكل "الضياع المغربي " كظاهرة اجتماعية. ويمكن في هذا السياق، التفكير مثلا في تأسيس "سوسيولوجيا الضياع" ،كتخصص يعنى بدراسة هذه الظاهرة. عمل من هذا القبيل، لا يتأتى، إلا بالابتعاد عن تلك النظرة التي يلفها إما الحنين، و التأسف على ما كان كفردوس مفقود، من قبيل القول بتاريخ المغرب المجيد و العريق، أو الفرح الذي يطبع قراءات متسرعة ، تحاول تناول مشاكل و عوائق المجتمع المغربي، بطرق غير علمية وبإفراط، كأن يقال "بأن كل شيء على ما يرام"، إنها مرحلة انتقالية… الخ. هذه "القراءة الفرحة" تشترط محددات علمية من بينها، أن الانتقال من مكان إلى مكان، يتطلب معرفة نقطة الانطلاق. وفي نفس "السياق الفرح"، هناك لجوء اجتماعي مغربي إلى خطاب ماضوي، يكثّر من توظيف "فعل كان"، و يغرق الذات في دوامة فكرية و إيديولوجية… يجب في نظرنا المتواضع، التوجه أكثر فأكثر إلى تكوين رؤية موضوعية، بما تحمله هذه الموضوعية من حدود، و نقف عند ملامح الأشياء و الظواهر المغربية التي يفرزها المجال الاجتماعي. صحيح، إن تنوع وتعقد مكونات المجتمع المغربي الثقافية، يجعل من المغرب جديرا بالاهتمام النظري و العملي، و لعل من بين أهم المجالات التي من الممكن أن نرصد من خلالها أحوال وأهوال المجتمع، هو تلك الصورة التي تبنى حول شخصية المغربي (البناء للمعلوم و للمجهول). و نقصد بهذه العملية، ذلك البناء الاجتماعي للواقع/الصورة( هناك توجه نظري في مجال "سوسيولوجيا المعرفة" يدعى "البناء الاجتماعي للواقع"، و أسسه الألمانيان "بتير بيرغر وتوماس لوكمان" بعد إصدارهما لكتاب في الموضوع عام 1966).

 

إن الكلام عن الصورة التي تؤسس تمثلاتنا ورؤيتنا للمغاربة، لابد و أن يستحضر ماهية الصورة ووظائفها المختلفة و المتعددة، وبدونها لا يمكن تفكيك ما يقال و يكتب عن المجتمع المغربي. لابد من التذكير بأن دلالة الصورة إشكالية، فعندما نستعمل هذه الكلمة، مثلا في اللغة الألمانية الغنية بتراكيبها، نجدها تشير إلى لفظ    Vorstellung   و يعني ذلك " التقديم و التعريف و العرض و التصور و التخيل" (Götz Schregle, 1355) . الصورة ترتبط كذلك بمعاني مغايرة، فهي تحيل على الشبح، النظرة، السيمولاكر و التمثل . "إنها عبارة عن إنتاج حسي أو ذهني، و هي تقدم لنا معنى للمشاهدة، حسب الفيلسوف فولتير . إن تمثل الصورة الحسي يبنى على نشاط العقل، و يرمي إلى تشكيل فكرة مجردة "( لالاند، ص464-467) .

 

الكلام عن بناء الواقع المغربي، لا يمكنه أن يستقيم على مستوى الإدراك و الفهم، إلا عندما نأخذ المتغيرات الكونية بعين الاعتبار و على رأسها،  زخم الصور التي تحاصرنا في كل مكان ، الخاص منه و العمومي،  والتي بدأت تؤسس جانبا مهما من الشخصية المغربية. لم نعد كما كنا قبل عشرين عاما، حين كانت المعلومة و الخبر يخضعان لرقابة شبه مطلقة، لكن في ظل المتغيرات العلمية و التكنولوجية التي أتت بثورة رقمية، وبإمكانيات جديدة في التواصل البشري، أضحى تضخم المعلومة واقعا يوميا، يتجاوزنا كذوات و كمجتمع، بل يزعج في أحيان كثيرة الإدراك و المعرفة و الفهم.

 

وإذا أردنا أن نبحث في مفاهيم و دلالات المتغيرات، و الثوابت التي تطبع صورة المجتمع المغربي، قصد التوصل إلى دقة المعنى و صفاء الفهم، لابد لنا من أن نزاوج بين إنصاتنا إلى خطاب العوام، كلاما و لغة ، و قول الثقافة العالمة، حتى نبلغ إلى المقصد، ونرفع الستار عن رائحة الحيرة، التي تنبعث من أفواه المغاربة . هناك معطيات ثقافية مهمة، يمكنها أن تنير لنا الطريق، لتشخيص أبعاد السؤال حول طبيعة المجتمع المغربي المغرية للبحث.

 

عندما نمعن النظر في الخطابات المتداولة، نلمس ما يعانيه المغاربة من غموض و قلق و إحباط (القلق و الإحباط بالمعنى التحليل نفسي). فمن الطبيعي أن تحس الفئات المسحوقة بالغبن و بالتذمر، عندما تنظر إلى الفئات المحظوظة، التي تتسع سلطاتها الاجتماعية(السلطة هنا بمعناها المادي و الرمزي). هذا الوضع يولد لا محالة، مجالات اجتماعية مطبوعة بالتمزق. فالذات المغربية بدأت تنطق جملا مبعثرة، و بلغات و لهجات مختلفة، و ترى العالم برؤى متناقضة، و مفارقة أحيانا، وتلبس ألوان تفتقد إلى المعنى، و تجهل السبب، في ما حصل و يحصل في اليومي من مظاهر ووقائع. أما تاريخ المغربي فهو مليء بعلامات تجمع بين الاستغراب والمفارقة، فهو" تاريخ الأنفة و الاستقلالية، و الموت من أجل الأرض والعرض، و هو في الآن نفسه تاريخ التبعية و الخضوع، و احترام التراتبيات الدينية و السياسية "(راجع مقال نورالدين الزاهي، المغاربة و الاحتجاج، ص10) . فهل يمكن القول، كما عبر عن ذلك الفيلسوف كانط ، "إنه لمن المريح جدا أن يكون المرء قاصرا . فالكسل والجبن هما السبب الذي يجعل طائفة كبيرة من الناس يظلون، عن طيب خاطر، قاصرين طوال حياتهم، حتى بعد أن تكون الطبيعة قد حررتهم، منذ مدة طويلة، من كل قيادة خارجية، والذي يجعل آخرين ينصبون أنفسهم بسهولة أوصياء عليهم". (راجع نص: ماهو التنوير؟ لإيمانويل كانط، في طبعته الأصلية و ترجماته إلى العربية و الفرنسية )

 

وفي الوقت الذي أضحت فيه الذات المغربية تجهل الموجود قبل الوجود، و التاريخ قبل الجغرافيا، أي و باختصار شديد، تعيش حالة فقدان لمعنى الوجود الاجتماعي، نجدها تحاول الخروج من بوتقة الضياع و التمزق الكائن بين احتفالية الفرح ولعنة البؤس. إن الكلام عن هذا النوع من الاغتراب، تؤكده أرقام و وقائع ودراسات علمية، و كذا الملاحظة العينية التي تفي بالغرض، وتلبي حاجة الفهم، الشيء الذي أوجب مساءلة أصول ومعاني الضياع المغربي(على سبيل المثال، تقارير المنظمات الدولية في مجالات التنمية و حقوق الإنسان، ودراسات العلوم الإنسانية المغربية و الإستشراقية حول المغرب).

 

بول باسكون مثلا يقدم لنا نموذجا دالا عن حالة التمزق المغربي، ويسمح لنا بالغوص العميق في بنية المجتمع ، و الأمر يتعلق بالحكاية التالية: "شاب يحمل شواهد، ويرتدي بذلة عصرية، ويتلفن إلى مسؤول إداري. إنه ينطق بكلمات عربية، ويوصي بتشغيل فلان بالفرنسية، ولكنه أمام تحفظات المسؤول يعاود الكرّة بثلاث حجج، إنما بالعربية هذه المرّة: إن قريبا للشخص المقترح قد فقد عمله، وأن العائلة أصبحت بدون مورد، وبأنها تنتمي إلى قبيلة من وسط المغرب… ولكنّه يواجه في الأخير، برفض مبني على القانون، هذا دون أن تكون مؤهلات المرشح قد ذكرت. وبإمكاننا إيراد أمثلة أخرى إلى ما لا نهاية: فكلّنا يجرّ وراءه جلبة التاريخ ومخلفاته"( بول باسكون،"طبيعة المجتمع المغربي المزيجة").

 

ينبهنا الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، إلى شيء أساسي وهو، "أنه ليس لنا الحق في قول كل شيء، و لا الحديث عن أي شيء في أية مناسبة "( فوكو، ص 9) . و إذا كان م. فوكو، يتحدث عن المجتمع الغربي بهوامشه الديمقراطية الضيقة و العريضة، فكيف يمكن التحدث والكلام عن مجتمعات، مازال فيها الرأي المخالف لما هو سائد أو مكبوت اجتماعيا، يشكل نشازا، و خطرا يؤدي بصاحبه إلى سلسلة من العقابات الاجتماعية والسياسية المتنوعة و المختلفة، في مجتمع أضحت فيه العصبية القبلية،" لربما أقوى مما كانت عليه في العصر الجاهلي نفسه. "( الجابري، ص59). وسؤالنا الأساسي في هذا الإطار، هو حول المغزى من وراء هذا النوع من الانغلاق، الذي يجعل في أحد وجوهه، المغربي غريبا عن وسطه، و حلمه في الحياة. إنه يستورد بضائع يجهل مقوماتها العقلية و أسسها الثقافية، (بحكم الفارق المعرفي و الثقافي و الحضاري بين المجتمع المغربي و المجتمعات في الغرب المتطور)، أما لسان حاله فيقول، وكما عبر عن ذلك ببلاغة قوية برهان غليون :" ليس هذا الزمان زماني فأنا فيه وحيد ، و ليس في هذا المكان مكاني، فأنا عنه غريب "( غليون، ص107).

 

و إذا كان النطق بالأحكام دون معرفة الشروط و الأسباب، يعد عملا فاشلا، فإن البحث عن جذور شقاء الوعي ومحنة المغربي، تظل مهمة آنية لا محيد عنها، للفهم و التحليل، و بلوغ نوع من الاطمئنان الفكري. مهمة من هذا النوع، لا يجب أن ترهنها تلك القوة الجامحة، لرد كل تخلف إلى الاستعمار أو الغرب و مآسيه، فأسباب الضياع المغربي منغرسة في التاريخ و الوعي الفردي و الجمعي، أما هذا الغرب الذي يلعنه الكثير، " فيشكل في العالم مشكلة تتحدى بذاتها الوعي العربي و تمزقه، فهو المسيطر و المهيمن، و الجبار المتكبر الذي لا هدف له سوى الإطباق على الشعوب، و نهبها و تدميرها "( غليون، ص107). إن السقوط في الأحادية، هو محاولة لتبرير الواقع و بناء إيديولوجي للمأساة. أما تضارب الأفكار و الآراء التي مازالت سجينة ثنائية "غرب /شرق" (المغلوطة، تاريخيا و جغرافيا و حتى حضاريا)، لا يمنع من طرح جريء للسؤال الإشكالي التالي: هل ما يرزح تحته المغاربة اليوم، وليد حاضرهم أي منذ القرن الماضي لحد الساعة،  أم أن محنتهم ترتبط بتراكمات تاريخية قديمة ؟

 

 

 

 

يدفعنا فضولنا المعرفي، عند قراءة متأنية في حركية الإعلام المغربي منذ مرحلة "صحف المعمر" إلى الآن،  نحو التساؤل مرة أخرى، حول جدوى ومعنى "الضياع المغربي"، الذي أغرق الذات المغربية، في ظل سياق رأسمالي جارف. الكلمات و الألفاظ و الألقاب والممارسات، أصبحت في متناول أغلب الأفراد، وهي تغلّف كل المعاني الأصيلة بمفردات ممسوخة، فأضحى "الفن" و صفة "فنان"، مثلا، على ألسنة عدة، إلى درجة الابتذال. إن الفن عند الفيلسوف هيجل، ليس مجرد استنساخ وتقليد، بل هو أكثر من ذلك، إنه يعبر عن العقل ويجسد الحقيقة كمثال.  الفن والإبداع، لا يختزلان في أحاسيس أو عواطف أو حتى في موهبة ما. إنهما يمثلان فلسفة و تصور و تاريخ و إستراتيجية ثقافية و سياسية، يحاور بواسطتها مجتمع ما غيره. فكيف يتم الحوار الثقافي، و ضياع الذات ما زال منتصبا ؟

 

المتتبع للحركة الثقافية و الفنية المغربية، يستشف أن حركة الأجساد غابت عنها حروف الجمال، و حل محلها طوفان من صور هستيرية، تستنطق الشهوات، و تستجيب لرغبات حيوانية، لا تفعل ولكنها تنفعل. الجسد المغربي كمثيله في بلدان المغرب العربي  يحمل دلالات معينة، إنه ، وكما يقول مالك شبل،" جسد نصي متمفصل حول حركات متنوعة و كلية، تستدعي بعض التدقيقات… الجسد هو ظاهرة ثقافية أبعد من أن تكون محايدة" (شبل، ص47). فالجسد الضائع و المستقر، يعبر عما يعتري المجتمع من خفايا ، و صمت ومسكوت عنه في داخل المجتمع الواحد .

 

الفن لا ينفصل عن الفعل الثقافي المغربي. وبوابة هذا الفعل، القراءة، كقضية تواجه المجتمع المغربي اليوم، فنحن نلاحظ الضعف و التراجع عن الإطلا

المزيد


رحيل هرم السوسيولوجيا المفكر المغربي عبدالكبير الخطيبي

مارس 16th, 2009 كتبها محمد نبيل نشر في , فلسفة

 
 
 
انتقل إلى عفو الله,الكاتب والباحث الجامعي المغربي عبد الكبير الخطيبي, في الساعات الأولى من صباح اليوم الإثنين في أحد المستشفيات بالرباط, عن عمر يناهز71 عاما, بعد معاناة مع المرض, حسبما علم من زوجته.
ودرس الفقيد عبد الكبير الخطيبي, المزداد سنة1938 بمدينة الجديدة, علم الإجتماع بجامعة السوربون( فرنسا), حيث حصل على الدكتوراه في السوسيولوجيا حول أطروحة "الرواية المغاربية" عام1969 .
وتقلد الفقيد عدة مناصب أكاديمية, حيث شغل أستاذا جامعيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط, وأستاذا مساعدا ,ثم مديرا لمعهد السوسيولوجيا السابق بالرباط , فمديرا للمعهد الجامعي للبحث العلمي.
انضم عبد الكبير الخطيبي إلى اتحاد كتاب المغرب في ماي عام1976 . وعمل رئيسا لتحرير "المجلة الإقتصادية والإجتماعية للمغرب ", كما كان يدير مجلة (علامات الحاضر). وتتميز مجالات إنتاجه بالتعدد والتنوع بين الكتابة الإبداعية (الشعر, الرواية, المسرح…) والدراسة الأدبية.
ويعتبر الراحل عبد الكبير الخطيبي ,الكاتب المغاربي باللغة الفرنسية روائيا وشاعرا وعالم اجتماع مرموق ومختص في الأدب المغاربي, ونشر قصصا وروايات ونظم قصائد تناولت فضاءات مختلفة.
ومن بين أعماله, التي تفوق25 مؤلفا, "الذاكرة الموشومة" (1971 )

المزيد


كلود لفي-ستروس ،مسيرة مائة سنة من الفكر

نوفمبر 18th, 2008 كتبها محمد نبيل نشر في , فلسفة, نصوص

122702

في اليوم الثّامن والعشرين من نوفمبر من سنة 2008 يكون عالم الأنتروبولوجيا الفرنسي كلود لفي ستروس Claude Levi-Strauss قد بلغ تمام المائة. ويمكن لموسوعة غينيس للأرقام القياسيّة أن تتهيّأ لتسجيل رقم جديد هو أطول العلماء عمرا، أو أطول المعمّرين من العلماء عمرا. ولد هذا العالم ببروكسال في 28 نوفمبر من سنة 1908 من أب فنّان رسّام يدعى ريمون ليفي ستروس Raymond Levi-Strauss وأمّ هي آمّا ليفي Emma Lévy. كان جدّه لأبيه كبير الحاخامات بفرساي. وقد انتقلت العائلة للسّكن عنده طيلة الحرب العالميّة الأولى. وفي سنة 1918 عادت العائلة إلى مقرّ سكناها بباريس، حيث زاول كلود ليفي ستروس تعليمه الثّانوي إلى أن تحصّل على شهادة الباكالوريا. وفي سنة 1927 التحق بكلّيّة الحقوق بساحة البنتيون Panthéon، وكان في الآن نفسه يدرس الفلسفة بالسّربون على أيدي أشهر الأساتذة في ذلك الوقت مثل ليون برنشفيك Léon Brunschvicg وإميل بريهييه Emile Béhier وسيلستان بوقلي Célestin Bouglé الّذي أعدّ تحت إشرافه مذكّرة الدّراسات العليا بعنوان ” المسلّمات الفلسفيّة للمادّيّة التّاريخيّة”. وفي نفس السّنة تحصّل على إجازته في الحقوق.

وابتداء من سنة 1928 شرع في إعداد التّبريز، وكان من بين زملائه موريس مرلو بنتي Maurice Merleau-Ponty وسيمون دي بوفوار Simone de Beauvoir، وتحصّل عليه سنة 1931، وكان من زملاء دفعته فردنان ألكيي Ferdinand Alquié وسيمون فايل Simone Weil. وفي سنة 1932 أدّى واجبه العسكري بسترازبورغ ثمّ بوزارة الحرب بباريس، وفي السّنة نفسها تزوّج بالفيلسوفة دينا دريفوس Dina dreyfus. ومنذ التحاقه بسلك التّدريس سنة 1933 بمعهد لاون Laon بدأ يشعر بالملل وبرغبة شديدة في رؤية العالم، إلى أن اطّلع على كتاب روبار لووي Robert Lowie “المجتمع البدائي” الّذي صدر سنة 1920، فكان بمثابة الشّرارة الّتي غيّرت مساره الفكريّ ونقلته من مجال الفلسفة إلى الأنتروبولوجيا. وهو انتقال قد حصل بالفعل لمّا تلقّى في خريف ذات أحد من سنة 1934 على السّاعة التّاسعة مكالمة هاتفيّة من سيلستان بوقلي يقترح عليه أن يترشّح لخطّة أستاذ السّوسيولوجيا بجامعة ساو باولو بالبرازيل. وقد التحق بتلك الجامعة سنة 1935 وظلّ يشغل منصب السّسوسيولوجيا إلى سنة 1938. ولكنّه خلال هذه المدّة قام بنشاط كثيف في مجال الإتنولوجيا. ففي نهاية سنته الجامعيّة الأولى بالبرازيل سافر كلود ليفي ستروس صحبة زوجته في مهمّة في أعماق البرازيل، داخل الماطو قروسو Mato Grosso. وقد كان ذلك له أوّل فرصة للقيام بأوّل بحث عن هنود الكادويفو Caduveo والبرورو Bororo. وقد شغل وصف هذه الرّحلة جانبا كبيرا من كتابه “المداران الحزينان”، فقد كانت بمثابة “التّعميد الإتنغرافيّ” إذ درّب فيها نفسه بنفسه على اختصاص لم يتلقّ في شأنه أيّ تعليم جامعيّ أو إعداد مهنيّ. وفي سنة 1936 عاد إلى فرنسا، ونشر مقالا عن هنود البرورو لفت انتباه ألفراد مترو Alfred Métraux وروبار لووي، وهو ما كان حاسما في مسيرته الأمريكيّة بعدئذ.

وفي باريس سنة 1937 انغمس في الإعداد لبعثة جديدة إلى البرازيل. وفي بداية  سنة 1938 عاد إلى البرازيل وشرع في الإعداد المادّي للبعثة الّتي دامت عدّة أشهر، وقد كانت تتألّف من أربعة أفراد منهم دينا دريفوس زوجة كلود لفي ستروس الّتي انفصل عنها سنة 1939. وهي السّنة الّتي عاد في مطلعها إلى فرنسا وعرض المجموعات الّتي حملها معه من البرازيل. وفي سنة 1940 لم يتمكّن بسبب الحرب وتقدّم الجيوش الألمانيّة من مزاولة مهنة أستاذ الفلسفة بمعهد منبوليي Montpellier بسبب قوانين فيشي العرقيّة. ولكنّه سرعان ما تلقّى دعوة من الولايات المتّحدة للتّمتّع بمخطّط إنقاذ العلماء الأوروبيّين الّذي نظّمته مؤسّسة روكفيلار. فقد تمكّن ألفريد مترو وروبار لووي وماكس أسكولي من الحصول له على دعوة من المعهد الجديد للدّراسة السّوسيولوجيّة بنيويورك. وفي سنة 1941 غادر فرنسا بعد أن تحصّل على تأشيرة الخروج إلى الولايات المتّحدة، ولم يبلغ نيويورك إلاّ بعد مشاقّ حيث استقرّ وسكن في منزل بقرينويتش فيلاج Greenwich Village. وقد كتب في نفس السّنة (بالإنكليزيّة) “الحياة العائليّة والاجتماعيّة لهنود نمبكوارة” وهو كتاب سيصدر سنة 1948 بالفرنسيّة ويكون أطروحته التّكميليّة. وكانت السّنوات الّتي أمضاها بنيويورك (- 431941) كلّها نشاط علميّ صُرف معظمه في القراءات الإثنوغرافيّة والتّدريس وملاقاة العلماء من قامة بواس Boas أكبر الأساتذة في اختصاص الإتنوغرافيا، وخاصّة رومان جاكبسون الّذي كشف لكلود لفي ستروس وجود علم هو اللّسانيات. وقد انعقدت بين الرّجلين صداقة استثنائيّة أثمرت فيما بعد تحليلهما المشترك لقصيدة بودلير “القطط”. وفي سنة 1941 شرع في تحرير أطروحته الشّهيرة “بنى القرابة البسيطة”. واستدعي في سنة 1944 إلى فرنسا من قبل إدارة العلاقات الثّقافيّة. ولكنّه لم يبلغ باريس عبر لندن إلاّ سنة 1945 حيث شغل منصبا في إدارة العلاقات الثّقافيّة بصفته سكرتير المدرسة الحرّة للدّراسات العليا بنيويورك. وقد كلّف بإرشاد كلّ من يرغب في الذّهاب إلى الولايات المتّحدة. وقد عيّن بعد ذلك مستشارا ثقافيّا في سفارة فرنسا بواشنطن مع إقامة في نيويورك. وقد شغل هذا المنصب طيلة ثلاث سنوات. وفي نفس السّنة تزوّج بروز ماري أولمو Rose-Marie Ulmo، ومن هذا الزّواج الثّاني أنجب ابنه لوران Laurent. وفي نهاية سنة 1947 عاد إلى فرنسا. وقد عيّن سنة 1948 أستاذا باحثا في CNRS (المركز الوطني للبحث العلمي) ومديرا مساعدا في متحف الإنسان Musée de l’Homme. ومنذ ذلك التّاريخ أصبحت حياته ذا

المزيد


محمود درويش شاعر فلسطين و الإنسانية

نوفمبر 8th, 2008 كتبها محمد نبيل نشر في , رسائل, شعر, صحافة, فلسفة, نصوص

darwic

عندما ندرس الشاعر الفلسطيني العربي المجدِّد الكبير، محمود درويش، فإننا ندرس الشاعر الذي عاش فلسطين في عقله وقلبه ومشاعره وأحاسيسه وقلمه وقصائده، حتى تحوّل إلى فلسطين بعدما تجسّدت فلسطين فيه، فكان محمود درويش فلسطين التي عاش فيها مأساة قريته التي طُرِد منها مع أهله وأبناء مجتمعه، ثم اجتاحها اليهود فدمّروا بيوتها، واجتاحوا وجودها وكيانها… فإذا بهذه المعاناة تتعمّق في ذات الشاعر وكيانه، متّصلةً بإحساس الطفولة عنده، وهو الإحساس البريء الكامن في عمق أعماقه الذاتية الإنسانية، حتى بدأت تخترقه في حركة اللاشعور وانفتح على الآفاق الكونية الواسعة، فتماهت مع الكثير من القضايا والمشكلات والالتزامات التي يعالجها ويشعر بالمسؤولية نحوها.
لقد عاش محمود درويش شاعراً إنسانياً، وحالة طوارئ إنسانية تحمل كلّ المعنى الإنساني، لأنه لم يعتبر أو يعتقد أن فلسطين هي مجرّد أرض، وإن كان الشاعر الشاعر يتجذّر من الأرض، ليعيش أنسنة الأرض، فالأرض ليست حجارةً، بل هي عمق الإنسان الذي وُلِد من ترابها، وتفيّأ ظلالها، وتنفّس هواءها، وعاش على ظهرها، ودُفنت عظامه فيها…
إنني، وكشاعر إنسان، كنت أتابع محمود درويش في كل شعره، فأجد فيه انفتاح الشاعر على الحداثة المميّزة. فحداثة محمود درويش ليست حداثة الغموض، ولكنها حداثة الوضوح الذي يتحرّك في عمق الفنّ، لأن هناك وضوحاً لا فنيّة أو فنّ فيه، وفناً لا وضوح فيه، بينما جمع الشاعر محمود درويش الاثنين معاً. وقد تطورت حياته الإنسانية والفنية في أكثر من اتجاه، حيث كان يبحث عن قضيته التي لم تقتصر على فلسطين الأرض، بل اعتبر فلسطين رمزاً للإنسان العربي، وقضيةً للحرية في العالم، وانطلق ليجعل فلسطين العنوان الذي يختزن كل عروبة الإنسان الإنسانية، وليس العروبة التي تطفو فوق العقل، بل التي تتجذّر في داخل العقل لتنزل إلى الإحساس، ولتتحوّل إلى حالة إنسانية تبتعد عن تعقيدات الإيديولوجيا.
ولهذا، كان الشاعر عروبياً وعربياً يتحرك في إنسانية العروبة، ويرى في فلسطين حركةً لتأصيل هذه العروبة، باعتبار أن الخطة الإسرائيلية - الأميركية، (الغربية) كانت تعمل على إلغاء الهوية العربية، كما كانت تعمل على إلغاء الهوية الإنسانية والهوية الوطنية للعرب، ذلك أنها هويات متداخلة.
ولهذا، كان محمود درويش يتحرك في شعره من أجل أن يجد فلسطين في كل ما يراه ويعتقده ويحبه، من الورود التي تنبت في ربيع فلسطين، إلى الينابيع المتفجرة فيها، إلى شروق الشمس وغروبها في آفاقها… فهو عاش فلسطين في روحه كلها، وكيانه كله… وهو من خلال حداثته الجديدة التي صنعها، لم يأخذ بالحداثة الرمزية، لأنه كان يريد أن يعمق فنّه في المعنى والأسلوب والكلمة والوضوح، خدمةً للقضية والتزاماً بها… لأنه أراد للناس أن تفهم فكره وشعوره وحياته، وتتحسّس معاناته، ومعاناة شعبه وأمته، لأن مشكلة الكثيرين من شعراء الحداثة وكُتّابها، أن مضمون شعرهم ومعناه كامنٌ في «قلوبهم»، على قاعدة ما يقال: «المعنى في قلب الشاعر».
ولهذا نرى أن موقف ا

المزيد


ما مزايا تدريس الفلسفة؟

نوفمبر 3rd, 2008 كتبها محمد نبيل نشر في , فلسفة, نصوص

122572

العفيف الأخضر
الشريعة دُنّست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة؛ وذلك لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية” (”أبو حيّان التوحيدي: الامتاع والمؤانسة“)
 
عبادة الماضي، عبادة الأسلاف، الحنين الجارف إلى عصرهم الذهبي مُكوّن أساسي من مكنوّنات العقلية البشرية السلفية. وكلّ العقليات سلفية بدرجات متفاوتة. الأسلاف عرفوا كل المعارف واخترعوا كل شيء فلم “يُبق ِ الأول (= السلف الصالح) للآخِر شيئا” (ابن الصلاح)، وهم، بموتهم الذي خلّصهم من سجن الجسد النجس، تحولوا إلى أرواح طاهرة قادرة على حماية الأخلاف (=الأحفاد) والشفاعة لهم لدى الآلهة أو الله وعقابهم أيضا إذا تجاسروا على كسر محرماتهم أو أضافوا جديدا إلى تراثهم الذي لا مزيد بعده لمستزيد. كل إضافة دخيلة هي إذن “بدعة مذمومة”: “الفطرة Nativisme (= ضد المُكتسَب أي الدخيل على دين القبيلة) كلمة روّجها Linton لتسمية الحركات التي كوّنها أعضاء مجتمع (بدائي) يمر بأزمة خطيرة وباحثا من جديد عن حياة أفضل في “العودة إلى الأصول” الأولى” (معلم الانتروبولوجيا ص 189). لينتون هو اثروبولوغ أميركي درس في عشرينات القرن الماضي قبائل جزر الماركيز ومداغشقر
محاربة “الدخيل” على دين القبيلة كان دائما وما زال صيحة الحرب على كل تلاقح ثقافي وعلى كل جديد على تقاليد الأسلاف. منذ 25 قرنا قدم المواطنان الأثينيان Meletos و Anytos شكوى للمحكمة ضد مواطن ثالث يدعى سقراط بتهمة: “الكفر بالآلهة وتعويضهم بآلهة جديدة”؛ حكم على سقراط بالإعدام. الكلمتان – المفتاح في الشكوى هما “آلهة جديدة”، أي الدخيلة على الآلهة القديمة التي اكتسبت كما لها أي شرعيتها من عبادة السلف الصالح الأثيني لها. بالمنطق السلفي ذاته، كفّرت غالبيةُ فقهاء الإسلام، خاصة منذ عصور انحطاطه وأزماته، الفلسفة “الدخيلة” على تراث الأسلاف: “لو كانت (هذه الطريق) مستقيمة، موصّلةً لم يَعدِل عنها السلف” (ابن تيمية، دَرْء تعارض العقل مع النقل، ج 5 ص 173) أو “هذه المسائل (اضافات) لا يحتاج إليها الدين ” (ن. م. ص 372): دين الأسلاف الكامل
طالبت لجنة الشريعة في مجلس الأمة الكويتي أمير البلاد جابر الأحمد الجابر الصُباح - اكثر أمراء الكويت انفتاحا لأنه أكثرهم معرفة بعواصم العالم وما يدور في كواليسها - بالتراجع عن تدريس الفلسفة في الثانوي عملا بـ”وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين”، (36 القَصص). اللجنة لم تأت بجديد سوى نفض الغبار عن إسلام عصور الانحطاط المغلق والسلفي. كان لفقهاء تلك العصور عذرهم، فما كانوا يعرفون غير عصرهم الذي كانت عبادة الأسلاف لم تزَل سائدة فيه وكان الدين، وليس الإنسان، يحتل فيه مركز الصدارة. وهو عذر يفتقده عبَدة الأسلاف في عصرنا الذي انحسرت فيه عبادة الأسلاف إلى مجرد راسب من حقبة خلت، واحتل فيه الإنسان وعقله مركز الصدارة.
الفلسفة بما هي صناعة المفاهيم المجردة لإضاءة الوقائع الملموسة هي معجزة العقل البشري في يونان القرن 7 قبل الميلاد. اشتغل فلاسفة اليونان على وقائع الشرق وأساطيره بالمفاهيم التجريدية لأول مرة معطين على هذا النحو للوقائع والمعارف المشتتة مبادئ أولى تنظمها في خطاب منطقي كوني وضروري. كوني، لأنه منطقي: تسلّم به العقول السليمة في كل مكان. وضروري: معقول. وهذا ما مكّن الإنسان من استخدام قوانين العقل لاكتشاف قوانين الطبيعة فأنتج العلم والتكنولوجيا وتاليا الحضارة.
رهان العقل البشري اليوم، كما بالأمس، هو مواصلة إنتاج العلم والتكنولوجيا والقيم الفلسفية، الإنسانية والعقلانية، لتأطيرهما بالضوابط القانونية والأخلاقية حرصا على كرامة ومصير الإنسان. هذه رسالة البشرية المعاصرة. المسلمون بما هم جزء لا يتجزأ منها مطالبون بالمشاركة في تحمل هذه الرسالة. فلسفة الأخلاق، فلسفة القيم، فلسفة التقنو – علم، التي تكاد تكون كل الفلسفة المعاصرة، مطلوب منها أن تساهم بحصة الأسد في انقاذ البشرية من كارثتين داهمتين: كارثة الإرهاب الإسلامي الحامل للفوضى الدامية، السياسة والأخلاقية، وكارثة إرهاب الاحتباس الحراري الذي يوشك أن يجعل الكوكب غير قابل للحياة ابتداءا من 2030 إذا لم تُستخدم الطاقة البديلة، طاقة الشمس والريح على أوسع نطاق. وهي طاقة نظيفة ورخيصة بل وقد تصبح مجانية. والمجانية هي المخرج الضروري – الذي قد يصبح في المستقبل ممكنا – من أزمة الرأسمالية الدائمة.
 philo
 
تدريس الفلسفة لصغار المسلمين حدث سعيد. ثقافتنا ثقافة نص ديني يفترض التسليم بالمعجزة بما هي الغاء لقوانين العقل وقوانين الطبيعة. ومنذ القرن 12م لم تعد غير معقولة وحسب بل سادها العداء المناضل للعقل. “مَن أصاب في القرآن بالرأي (= العقل) فقد أخطأ، ومَن فسرّ القرآن بالرأي فقد كفر” (الترمذي). كما كفّر ابن حنبل في كتاب “السّنة” ابا حنيفة لاعتماده في فقهه على الرأي لا على الحديث ولأنه “نبطي وليس بعربي” كما قال إمام الحنابلة! تهميش العقل كان وما زال لحساب هذيان التدخل الرباني في التاريخ ومساكنة ومواكلة الجن، وتحويل الله إلى الرئيس المدير العام لشركة التأمين على مستقبل المسلمين! تأسست ثقافتنا على الميتوس، الشيء يأتي من لاشيء: “كن فيكون” أما الثقافة الغربية فتأسست على اللوغوس: “لا شيء يأتي من لا شيء” كما قال فلاسفة الاغريق تأسيسا للفكر السببي: هذا اللوغوس تحتاجه أجيالنا الشابة لتهميش الميتوس الذي نرضعه في حليب أمهاتنا.
مرض ثقافتنا الإسلامية هو اليقين الأعمى. الشك بما هو حَيرة بين خيارات أو سيناريوهات عدة ممكنة، وبما هو ارتياب في حقيقة واقعة ما، وبما هو إحجام عن إصدار حكم قيمة على فعل ما، وبما هو تساؤل عن المرويات والمعتقدات، وبما هو شك في امتلاك الحقيقة ناهيك عن الحقيقة المطلقة… لا محل له من الإعراب في ثقافتنا الإسلامية المشابهة في هذا الصدد، لثقافات القبائل البدائية التي لا تعرف الشك. كل شيء آت لا ريب فيه. أحكامنا قطعية. الأفعال الشرطية السائدة في اللغات الأوروبية نادرة الاستعمال في لغتنا، التي لم نصلحها بعد، الجملة الاسمية تطغى فيها على الجملة الفعلية كتعبير عن طغيان اليقين على الشك والثبات على التطور في عقليتنا المصابة بالجمود الذهني الذي ينعكس في التعصب في الدين والدنيا معا. حقائقنا بديهيات ومعارفنا مسلّمات مستغنية عن البرهان. اليقين الأعمى ساد بين النخب منذ انتصار الإسلام الحنبلي: “المسيح مشى على الماء ولو كان مسلما لمشى في الهواء” (الترمذي، دائما هو).
الفلسفة الغربية القائمة على مبدأ الشك، كطريق ملكي للبحث عن الحقيقة بما هي فرضيات مؤقتة، تساعدنا على تحديث ذهنياتنا بإعادة صياغة شعورنا ولا شعورنا وطرائق تفكيرنا. فما هي فوائد تدريس هذه الفلسفة لصغار المسلمين؟ جمّة. تعلمهم السؤال الفلسفي الغائب في ثقافتنا التي لم يسد فيها إلا سؤال الفتوى الدينية؛ وتعلمهم أن السؤال أهم من الجواب – الذي هو غالبا جواب بين أجوبة ومؤقت-. السؤال يفتح آفاق

المزيد


التالي