بعد عرض فيلمه ” غرب عدن”،كوستا غافراس ينتقد تعامل أوروبا مع المهاجرين

فبراير 15th, 2009 كتبها محمد نبيل نشر في , إيروس, سينما, صحافة, نسائيات

برلين: محمد نبيل

وجه المخرج  الفرنسي اليوناني الأصل، كوستا غافراس انتقاداته إلى السياسة الأوروبية في مجال الهجرة، في آخر ندوة صحفية تعقد ضمن فعاليات مهرجان برلين السينمائي، في دورته ال 59.وتأتي هذه الانتقادات بعد عرض فيلم المخرج الجديد “غرب عدن”، و الذي يتناول فيه معاناة المهاجرين السريين، وأحلامهم بأسلوب سينمائي يمزج التراجيديا بالكوميديا و الخيال. وكان غافراس ترأس لجنة تحكيم دورة المهرجان العام الماضي، لكن هذا العام ارتأت إدارة “البرليناله” أن يعرض “غرب عدن” خارج المسابقة الرسمية.

 

كوستا غافراس، مخرج من عيار خاص

ولد قسطنطين كوستا غافراس عام 1933 في اليونان، من أب روسي وأم يونانية، وهو مستقر في فرنسا، و يحمل جنسيتها منذ نحو خمسين سنة. وأخرج غافراس أفلاما مثل “آمين” الذي فاز بجائزة الدب الذهبي في برلين العام 2002 ، كما فاز قبلها بالجائزة نفسها عن شريطه “علبة الموسيقى” في برلين أيضا العام 1990. غادر وطنه اليونان إلى باريس، لدراسة الأدب في جامعة السوربون، وبعد أن أنهى دراسته في الجامعة الفرنسية، تحول إلى دراسة السينما. واحتفل كوستا غافراس بعيد ميلاده السادس والسبعين، خلال مهرجان برلين لهذا العام.

 

ويعد كوستا غافراس من أشهر المخرجين في العالم، و هو معروف بثلاثية أفلامه السياسية: “Zالذي أخرجه عام 1969 ، و”الاعتراف” عام 1970 ، و”حالة حصار” عام 1973. وتحتوي سينما غافراس على قدرة هائلة على المزاوجة بين ما هو سياسي، بما هو أسلوب سينمائي بسيط يقوم على أسلوب تقريري واضح. أفلام هذا المخرج الأولى، تعرّضت لردود فعل متباينة. فالبعض أعجب بطبيعتها، والبعض الآخر يهاجمها بسبب لونها السياسي، في حين يوجد فريق ينفي أنها سياسية.

 

ويعد غافراس واحدا من أهم المجددين في الفن السابع، ومن رواد الموجة الحديثة، إذ بدأ حياته الفنية كمساعد مخرج مع رائد السينما الفرنسية، المخرج كودار.ولعبت أحداث سياسية هامة، طبعت مرحلة نهاية الستينات دورا في أفلام غافراس، ومن بينها، تصاعد المد الثوري، واشتداد المقاومة الفيتنامية ضد الغزو الأمريكي، وتحرك شي جيفارا لنشر الثورة في أمريكا اللاتينية ، وتعاظم حركات التحرر في أفريقيا وآسيا .كل هذه الأحداث، أثرت آنذاك في الأدب والفن والموسيقى والفلسفة، كما شهدت فترة نهاية الستينات، تغييرات جذريه في المسارات الفنية والثقافية.

 

ويتفق العديد من النقاد، على أن كوستا غارفاس أسس مدرسته في السي

المزيد


قصص مغربية: شيزوفرينيا

أكتوبر 27th, 2008 كتبها محمد نبيل نشر في , إيروس, صحافة, نسائيات, نصوص

122515 

(2) 
أثناء زيارتي السنوية للمغرب، أكتشف أشياء عدة، وأتعرف على أشخاص جدد، كما ألتقي بمعارفي وأصدقائي، وكلهم ينطقون حكايات وقصص يومية، تخرج من لب ذاكرتهم الجماعية، الموشومة بكل ما هو غريب و جميل.
هي مجرد قصص مغربية، أنقلها للقارئ على لسان المتكلم والحاكي، وغرضي من هذه الوقفة، هو إثارة السؤال وليس سوى المساءلة، و خلق نوع من الجدل حول قضايا تطبع اليومي في حياة المجتمع المغربي. 
 
عبدالحق ، رفيق الدرب منذ أكثر من 20 عاما . روى لي حكاية عن صديق يعرفه جيدا ويدعى أحمد. حكاية أحمد كانت بالفعل مثيرة، نظرا للقالب الساخر الذي وضعها فيه رفيقي، فكنت منصتا إلى عبدالحق حتى أتم مسلسل حكايته. 
 
شخصية أحمد تعكس عدة أوجه، فيها الظاهر و الباطن، فهو يبدي تعلقه الجنوني بحزب سياسي مغربي، بدأ كبيرا و انتهى صغيرا. أما أثناء عملية التصويت، فلا يدعم إلا مرشحي حزب، عرف بموالاته العمياء للسلطة الحاكمة منذ قرابة نصف قرن. أحمد اليوم، حصل على صفة متقاعد قبل السن القانونية، فعمره لم يتجاوز الأربعين. التجاعيد غزت جسده، و رأسه اشتعل شيبا. أحمد يحب جارته ليلى، أرملة في عقدها الخامس. لم يكن صاحبنا ، ممن يقتنعون بأن عشق الجسد فان، وأن الروح هي المحرك الذي دونه لا يتحرك الإنسان. لا يعتقد أحمد فيما يقوله البعض، بأن الإنسان عبارة عن آلة مسخرة لأغراض معينة، إلا أن ما حدث البارحة، جعله يراجع بعضا من أوراقه.
 122515
كانت الساعة تشير إلى السادسة و الربع مساء، و الشمس بدأت تنسحب ببطء. قرر أحمد زيارة ليلى. كان معظم الج

المزيد


أمل يفتقرُ هو نفسه إلى الأمل

أكتوبر 9th, 2008 كتبها محمد نبيل نشر في , إيروس, رسائل, شعر, صحافة, فلسفة, نصوص

 

 

أدونيس
I
 صَنّارة الأحد
 
31 آب ، الأحد، مقهى حسان،
 
بيروت 2008
 
تتدلى السمكة الصغيرة من كماشةٍ هي رأسُ الصّنّارة. كانت تتوهّج كمثل صفيحةٍ معدنيةٍ أضفت عليها شمس ذلك النهار بياضاً يمكنُ أن يُوصف بأنّه حادٌّ وغريبٌ. الصنارة قوسٌ ليّنة تتحرّك بين يدي الموج. ذراعها طويلة، غيرَ ان المدى قصير، فوق الصخر لا في الأعماق. صيادٌ شيخٌ على حرفِ الشاطئ الصخريّ، غير أنه ينهضُ كأنه ألفٌ في أبجدية الموج، صياد أسماكٍ فقيرةٍ، غالباً، تختبئ وراء ذلك الثوب الأخضر القاتم الذي تنسجُه إبرُ الطّحالب.
 
وضع السمكة في جُعبته. هيأَ من جديدٍ صنارته، مفخِّخاً شفتيها، وألقاها في الموج. انتظر. هزّ رأسَه. فجأةً، أدار ظهره الى بساط الزبد، ودخل تحت خيمة المقهى.
 
صيّادٌ آخر يحلّ محلَّه. يقف حافِياً على الصَّخر.
 
ترفّق بهِ أيها الموج.
 
امرأةٌ في المقهى تنظرُ اليه فيما تدخّن. للنارجيلة ثديٌ تضعه بين شفتيها حالمةً. أكادُ أن ألمسَ حلمَها بيديّ. أكادُ أن أرى في عينيها سريراً.
 
ترفّق بها، أنتَ كذلك، أيّها الحلم.
 
* * *
 
مِن أينَ، إذاً، يجيئ الأمل بالصيّد إلا من فخذَي موجةٍ أو من ثقبٍ في كبدِ الشاطئ؟
 
* * *
 
الأمواج مُخملٌ مُنقَّطٌ بفُقاعاتِ زبدٍ لا يعلّم اليأس، لكنّه لا يعلم الأمل. زبدٌ يلذُّ له، كما يبدو، ألا يقول، في بيته الفسيح، إلا عُريهُ. صرخةُ نورسٍ، صرخةٌ واحدةٌ تكفي لكي تنفتح أبوابه.
 
كلما تقدمت موجةٌ في شكل عربةٍ تدفعها يدان من زبدٍ، يتقدم حظَّ الصَّنَّارة. ومع أنّ للشمس الآن، في هذه اللحظة، عينين مُغمضتين، فإنَّ لها قارِباً من الضوء يلتطِمُ بالشاطئ، وعبثاً يعمل الصّخر على تحطيمه.
 
* * *
 
فضاءٌ – كأنّه هو الآخر، خاضِعٌ لرقابة السماء. ويبدو أن الماءَ المُطَحلبَ الأَغبر، أخذ هو أيضاً يُراقب أسماكه.
 
دقائقُ تمرُّ كأنها تتسلَّق سلالِمَ الموج، ثم تهبطُ لكي تنامَ في فراشِ الزَّبد.
 
* * *
 
تتوحَّد المجاذيف الآن في واحدٍ هو الذي تُمسك به يدُ الشّمس. الفضاء كلّه وَجهٌ: خَدّهُ الأيسرُ عُريٌ، والأيمنُ ظِلٌ مُرقطٌ بِرذَاذِ الموج، الذي يرسمُ هذا العَري. اللّوحة زرقاء، ولا تنتهي الزُّرقة مِن قيادةِ أحلامها في قوارب غير مرئية.
 
يتقدم الفضاء كمثلِ جسدٍ يُنزّه شهواتهِ في غابة الموج.
 
ومَا هذه الخطواتُ التائهة على الضّفاف؟ ولماذا أشعرُ كأنني أسمع نداءً يخرجُ من شفتي لا أحد؟ حتّى الحرارة العالية في هذا النداء تبدو كأنّها صوتٌ صديق.
 
* * *
 
بحرٌ – مستودعٌ لِلتّواريخ. وأنتم أيّها البشر الذين يتقاسمون الموتَ، سَفراً وغَرَقاً، لماذا لا تتقاسمون الحياة، فَرحاً وحبّاً.
 
هل الأمل عندكم هو نفسه فقيرٌ الى الأمل؟
 
* * *
 
هنا، في حركة هذا الموج، أطرافٌ، تناقضاتٌ، جدرانٌ، سقوفٌ، خيامٌ، سفنٌ، نوافذ، عتباتٌ، أنقاض سفرٍ وعودة.
 
ماذا يعني أن تحلم العتبةُ بالسّفر؟
 
ماذا يعني أن تحلم النّافذة بِالعودة؟
 
II – ذلك الأفقُ الذي لا مُلكَ له
 
- 1 –
 
لا مُلكَ
 
إلا لهذا الأفقِ الذي لا مُلكَ له.
 
- 2 –
 
الحياةُ جسّدٌ
 
يتقلَّبُ في فِراش الحلُم.
 
- 3 –
 
الحياةُ أمٌ لِطفلِ يظلّ طِفلاً هو الحب. هو في الوقتِ نفسهِ، بكرُها. وهو، بين أَبنائِها، الوحيدُ الذي يعرف كيف يرضع ثَدييهَا – لا بشفتيهِ وحدهما، بل بجسدهِ كلّه

المزيد


المرأة ذات "الفرج المقلوب": بحث في نظريّة هواميّة غريبة

أكتوبر 6th, 2008 كتبها محمد نبيل نشر في , إيروس, صحافة, نسائيات, نصوص

122332

 

بقلم رجاء بن سلامة
 
كيف بنى العرب القدامى الاختلافات التّشريحيّة والفيزيولوجيّة بين الجنسين، وما هي مدلولات هذا البناء؟ وما الذي جعلهم يتصوّرون أنّ للمرأة عضوا ذكوريّا باطنيّا أو “فرجا مقلوبا” حسب تعبيرهم؟ وما العلاقة بين هذا العضو المفترض والعضو الصّغير الآخر غير المفترض، وهو البظر؟
 
هذه الأسئلة توجّهنا إلى دائرة في البحث تغيّبها الدّراسات النّسائيّة والدّراسات الجندريّة لأنّها تقفز على الفوارق الجسديّة بين الجنسين لتهتمّ بالفوراق الثّقافيّة، أي لما يعود إلى التّنشئة الاجتماعيّة من اختلافات تراتبيّة وسلطويّة أساسا، والسّرّ في ذلك يضيق عنه مجال هذا البحث، أو لعلّ القارئ يتبيّنه في نهايته.
 
نكتفي هنا بالإشارة إلى أنّ من مظاهر تغييب الاختلاف الجنسيّ في الأبحاث العلميّة العربيّة المصير الذي لقيه كتاب توماس لاكور Thomas Laqueurوعنوانه”مصنع الجنس : الجنس والجندر من الإغريق إلى فرويد”، وقد صدر سنة 1990 بالإنكليزيّة[i] وسنة 1992 بالفرنسيّة.[ii] هذا الكتاب الذي سننطلق منه وسنحاول محاورته على ضوء النّصوص العربيّة من ناحية، والتّحليل النّفسيّ من ناحية ثانية، لم يترجم إلى اليوم إلى العربيّة، ولم أجد له أثرا في الكمّ الهائل من الأبحاث الصّادرة عن المرأة أو عن تاريخ العلاقات بين النّساء والرّجال، رغم أهمّيّته ودقّته، ورغم أنّ صدوره مثّل حدثا مهمّا في تاريخ الفكر الطّبّيّ والتّشريحيّ وفي تاريخ التّصوّرات الغربيّة عن الجسد البشريّ.
 
ويمكن أن نذهب أوّلا إلى أنّ أهمّ النّتائج التي توصّل إليها لاكور في فضاء الفكر الغربيّ شبيهة في مجملها بالنّتائج التي يتوصّل إليها الباحث في فضاء الفكر العربيّ، وإن كنّا نفتقر إلى اليوم إلى دراسة ضافية للموضوع، في مثل جودة دراسة لاكور، ونقرّ بأنّ هذا البحث لا يسدّ هذا النّقص بقدر ما يقترح مقدّمات إليه.
 
توصّل لاكور في رصده للتّحوّلات في تاريخ المعرفة عن الجسد، إلى أنّ الاختلاف بين جسمي المرأة والرّجل مغامرة حديثة لم يخضها مفكّرو الغرب إلاّ في حدود القرن الثّامن عشر، وأنّ نموذج الجنس الواحد modèle unisexeالمأخوذ عن الإغريق هو الذي ساد الفكر الغربيّ. يقول معرّفا بهذا النّموذج : “نموذج الجنس الواحد الذي سيطر على الفكر التّشريحيّ طيلة ألفي عام فهم المرأة على أنّها رجل معكوس : فالرّحم هو مثانة المرأة، والمبيضان خصيتاها، والشّفرتان قلفتها، وفرجها عبارة عن عضو ذكوريّ.”[iii]
 
كما قام هذا النّموذج على التّناظر شبه التّامّ بين الرّجل والمرأةفي عمليّة الإنجاب، فالجنسان يخضعان إلى نظام قذفيّ انتشائيّ واحد، ولكلّ منهما منيّ يساهم في الانعقاد (أي تكوّن الجنين). كان جسد المرأة صنوا لجسد الرّجل في التّشريح وفي نظام الأخلاط، أو إن شئتم كانت المرأة رجلا معكوسا يحمل أعضاء الذّكورة في الدّاخل لا في الخارج، لافتقارها إلى الحرارة الحيويّة التي يمكن أن تدفع بأعضائها إلى الخارج. هذا التّصوّر الموروث عن أبقراط وجالينوس كان معارضا إلى حدّ ما للتّصوّر التّكامليّ التّراتبيّ الرّاجع إلى أرسطو. لقد جذّر هذا الفيلسوف الاختلافات بين الجنسين فجعل المرأة عاجزة عن إنتاج المنيّ، وجعل دورها مقتصرا على توفير المادّة الدّمويّة التي تظلّ في الرّحم منتظرة إلى أن يمنحها السّائل المنويّ الذّكوريّ الصّورة. ورغم مكانة أرسطو في الفكر الغربيّ، فإنّ الغلبة كانت لنظريّة الجنس الموحّد التّناظريّة على نظريّة أرسطو التّكامليّة. ومن النّتائج المهمّة التي خرج بها لاكور أنّ الفوارق الاجتماعيّة والثّقافيّة بين الجنسين، أو ما يمكن تسميته بالجندر، كانت أهمّ من الاختلاف الجنسيّ.
 
ونكاد نجد اللّوحة نفسها لدى الأطبّاء والكتّاب العرب الذين كانوا ورثة للطّبّ اليونانيّ. فبقدر ما كانت ثنائيّة المذكّر والمؤنّث محوريّة في المجتمع، وبقدر ما كانت الأدوار الاجتماعيّة موزّعة بوضوح وموضوع رقابة مشدّدة[iv]، تعكس التّصوّرات التّشريحيّة والفيزيولوجيّة االعالمة نظريّة في الجنس الواحد، كانت هي السّائدة. فمن النّاحية التّشريحيّة، يقول ابن سينا (ت 428هـ): ” نقول إنّ آلة التّوليد التي للإناث هي الرّحم، وهي في أصل الخلقة مشاكلة لآلة التّوليد للذّكران، وهي الذّكر وما معه، لكنّ إحداهما تامّة متوجّهة إلى خارج، والأخرى ناقصة محتبسة في الباطن، فكأنّها مقلوب آلة الذّكران، وكأنّ الصّفن صفاق الرّحم، وكأنّ القضيب عنق الرّحم، والبيضتان للنّساء كما للرّجال، ولكنّهما في الرّجال كبيرتان بارزتان متطاولتان إلى استدارة، وفي النّساء صغيرتان مستديرتان إلى شدّة تفرطح، باطنتان في الفرج، موضوعتان عن جنبيه في كلّ جانب من قعره واحدة، متمايزتان يختصّ بكلّ واحد منهما غشاء لا يجمعهما كيس واحد، وغشاء كلّ واحدة منهما عصبيّ. وكما أنّ للرّجال أوعية للمنيّ بين البيضتين وبين المستفرغ من أصل القضيب، كذلك للنّساء أوعية للمني بين الخصيتين وبين المقذف إلى داخل الرّحم…”[v]
 
ونجد هذا التّصوّر لدى المصنّفين لكتب الباه، إذ يقول التّيفاشيّ صاحب كتاب “نزهة الألباب”: “… آلات التّناسل في الإناث موضوعة داخل البطن ومطبوعة على الميل إلى ما هناك. وأمّا الذّكر فخارج البطن مجبولة ومطبوعة على الميل إلى ما هناك“.[vi]
 
ومن حيث الوظيفة، أي من النّاحية الفيزيولوجيّة، إذا استثنينا بعض الفلاسفة الأوائل[vii] ممّن ينحون نحو أرسطو في اعتبار الجنين يتولّد من منيّ الرّجل ودم المرأة، أمكن لنا القول بأن نظريّة ازدواج المنيّ كانت هي السّائدة. انتقد الأطبّاء العرب تصوّر أرسطوطاليس، كما انتقده جالينوس، وانتقدوه في نقطة أساسيّة هي سلبيّة دور المرأة في الإنجاب، ونفي المنيّ عنها. يقول ابن سينا في كتاب الطّبيعيّات: “واعلم أن الولادة إنما تكون إذا توافى الزّرعان من الذكر والأنثى معا، فان اختلف الوقتان لم يعلق…والمرأة والرجل يحتلمان جميعا ويصبّان المنيّ كل على نحو صبه. أقول: إنّه لا عذر لمن يسمع هذه الفصول وغيرها، ثم يظن أن المعلّم الأول يقول بأن المرأة لا تصب فضلة نطفية…”[viii] ولم يقتصر هذا الرّأي على الأطبّاء، بل إنّنا نجده لدى فقيه كالغزالي، فقد اعتبر ماء المرأة “شرطا في الانعقاد“[ix] ومتصوّف كابن عربيّ فقد خالف “أهل علم الطّبائع” في قولهم بأنّه “لا يتكوّن من ماء المرأة ولد” واعتبر أنّ عيسى بن مريم “من ماء أمّه” فحسب.[x]
 
بل ربّما قطع الأطبّاء شوطا أبعد في الأخذ بنموذج الجنس الواحد، لأنّهم عندما تحدّثوا عن أمراض الرّحم، وهي المتسبّبة في الهستيريا حسب تصوّرات أطبّاء الإغريق، ذكروا اختناق الرّحم النّاجم عن انحباس دم الطّمث أو المنيّ، ولم يستبعدوا أن يصاب الرّجل بالأعراض النّاجمة عن هذا النّوع من الهيستيريا: يقول الرّازي (ت313 هـ): “… فإنّه كما يعرض للرّجال الكثيري المنيّ عند ترك الجماع من القلق وثقل الرّأس وسقوط القوّة والشّهوة كذا ليس ينكر أن تعرض أعراض أشدّ من هذه لهؤلاء النّسوة…”[xi]
 
فما نسمّيه “الشّرق” ونقصد به العالم العربيّ قد اشترك مع “الغرب” في إنتاج أو إعادة إنتاج التّصوّرات التّشريحيّة نفسها، ونسبوا إلى المرأة عضوا ذكوريّا مقلوبا ومنيّا. وربّما يتّضح لنا الآن تنسيب عبد الكبير الخطيبيّ لأهمّيّة الاختلاف الجنسيّ في القرآن، وقوله: “لكي نحسن تحديد موقع “الجنسانيّة” في الإسلام، يجدر بنا أن نعتبر الاختلاف الجنسيّ ثانويّاإذا ما قورن بالاختلاف بين الإيمان والكفر، وبين الوجود المطلق للواحد، و”إشراك” أيّ ثالوث أو آلهة أخرى أو عبادات وثنيّة به.”[xii]
 
ويمكن الآن أن نحاول التّأويل وأن نتساءل عن أسباب غلبة نموذج الجنس الواحد غربا وشرقا وطيلة قرون طويلة، فلا تكفي عوامل التّداخل الثّق

المزيد


طابوالبكارة اليوم و في ديارنا نحن : نحو موت العذرية

سبتمبر 29th, 2008 كتبها محمد نبيل نشر في , إيروس, فلسفة, نصوص

abd20a

في بدائية العذرية
ليست العذرية قيمة اجتماعية ودينية خاصة بالعرب أو بالإسلام، إنها تابو مؤسس مرتبط بكل الثقافات، وذلك منذ ما قبل التاريخ، في ذاكرة الشعوب المسماة بدائية. فهذه الشعوب حرمت افتضاض الفتاة دون احترام طقوس معينة ووضعت بالتالي تابو العذرية. والتابو قرار اجتماعي ثقافي يحرم الأشياء التي نخافها. فقد حرم الافتضاض خارج الزواج لأن إزالة العذرية تعني إسالة الدم، ولا يمكن إسالة الدم دون الاحتراس من ذلك بفضل طقوس معينة، وداخلها. للدم رمزية كبيرة عند الشعوب البدائية باعتباره رمزا للحياة، وقنطرة نحو عالم الأرواح والجن. فحينمايُسيلُ الرجل دم المرأة عند الافتضاض دون أن يأذن له المجتمع بذلك، يخاف من العقاب، والعقاب ذو طبيعة اجتماعية وغيبية في الوقت ذاته. إن إسالة الدم بغير حق كان من الآثام الكبيرة لدى الشعوب البدائية. من أجل ذلك، كان لابد من تحويل الافتضاض إلى طقس اجتماعي يتم بهومن خلاله خرق الطابو.
 
ونظرا لخطورة الأمر وأهميته، كانت بعض المجتمعات تكلف رجال الدين بافتضاض العروس حتى تجنب الزوج التعامل الخطير مع الدم. إن حفل الزواج خرق منظم اجتماعيا ودينيا لتابو العذرية، إنه طقس مرور من حالة إلى حالة، من مكانة اجتماعية إلى أخرى. من خلال هذا الطرح، يتبين أن المرأة كانت بمثابة الكائن الذي يخيف الرجل لأنه الكائن الذي يسيل دمه خارج الحرب وخارج القتال، أثناء الحيض أو الافتضاض أو النفاس. هذه مرحلة أولى في تاريخ الفكر البشري، وهو الفكر الذي سماه ليفي ستروس فكرا وحشيا، مع العلم أن الوحشية تعني هنا منطقا آخرا وطقوسا خاصة.
 
يرى الفكر الوحشي أن الشريك الأول الذي يفتض الفتاة يوقّع جسدَها بذكره، وهو توقيع لا رجعة فيه. ويعني الافتضاض- التوقيع امتلاكا لجسد المرأة ولذاكرتها البيولوجية بشكل دائم، رغم تغيير الشريك الجنسي أو تبدل الوضع الزوجي. لذا، يريد كل رجل أن يكون هو الأول لكي يظلمسجلا في ذاكرة المرأة، ولكي لا تقارنه المرأة بشركائها السابقين. إنها إرادة سيطرة مطلقة على جسد المرأة، وعلى ماضيها، فجسد المرأة يخيف لأنه ذاكرة أيضا، ويخاف الرجل أن تظل زوجته معلقة بشريكها الجنسيّ الأول. من هنا تأتي أهمية العذرية، فهي الضامن لطهارة المرأة، أي لبراءتها من كل جنسانية قبل -زوجية آثمة (في المنظور الذكوري الأبيسي طبعا).
 
الافتضاض سلطان
في المجتمعات العربية أيضا، تكمن الرجولة في تعريفها الأبيسي في ضبط الجنسانية النسوية من خلال طقس فض غشاء العذرية، وهو من أهمّ طقوس المرور. فهذا الطقس ليس دليلا على عذرية العروس فحسب، بل هو أيضا مؤشر هام على فحولة العريس. في المغرب مثلا، كان العريس يسمى مولاي السلطان خلال كل حفلات العرس، والتي تتوج في ليلة الزفاف بطقس الافتضاض، أي إسالة دم العروس وإشهار ذلك. فالزوج- السلطان يؤكد سلطانه بفضل القدرة على الافتضاض. إن السلطان رجل والرجل سلطان وكلاهما يؤسس للآخر انطلاقا من ليلة الدخول. وقد أورد ابن عرضون في هذا الصدد نصّا لفقيه يدعى عمر بن عبد الوهاب يقول فيه: … ثم يدخل معها في لحاف واحد ويلاعبها ويفعل ما تقدم من السنّة والتسمية ولا يأتيها حتى يجد من نفسه قوة وعزما ونشاطا ليسرع بدخولها أول مرة وذلك أبلغ في المحبة والألفة وله بذلك عليها يد عالية ولا يستعجل قلقا فربما يسيل ماؤه ويفشل فيتعذر عليه الدخول أول مرة فيدخله الوسواس والهمّ فيزداد بذالك ضعفا وحيرة وربما يطول به الأمر لأن الهمّ نصف الهرم وربما يتوهّم أنه معقود عنها وليس به غير الهمّ والفشل فتكون لها عليه يد وصولة، وصاحب السنة والأدب لا يخيب ولا ينتكب (في مقنع المحتاج في آداب الأزواج).
 
 
من جهة أخرى، يمارس الافتضاض بالإصبع في مصر القروية، وهو ما يجعل منه وسيلة للتأكد من عذرية العروس فقط. فاستعمال أصبع العريس أو أصبع المولدة التقليدية (الضاية) لا يترك المجال للعريس لإظهار فحولته في هذه اللحظة من طقس الزواج. الأهم هو التدليل على شرف عائلة العروس بفضل التدليل على عذرية العروس. إن العذرية هي أساس شرف العائلة، ويشكل المسّ بها مسّا بشرف العائلة وبالخصوص بشرف رجالها الذين عجزوا عن الحفاظ عليها. إن وطء فتاة قبل الزواج يعني أبيسيا وطء كل ذكور الموطوءة من طرف الواطئ. بتعبير آخر، يعني ذلك الوطء تحويلا رمزيا لكل رجال الموطوءة إلى نساء، أي تحويل أبيها وأعمامها وإخوتها إلى ذكور دون فحولة ، إلى مفعول بهم جنسيا. إن الرجولة قدرة على الفعل، والقدرة على الفعل هي القدرة على الوطء والقدرة على منع الوطء في آن. ففعل المراقبة نفسه يدرك كفعل رجولي بامتياز، أي كفعل جنساني ويشكل الإخفاق فيه إخفاقا جنسانيا ينال من رجولة ا

المزيد


التالي