ليالي الأنس في فيينا

كتبهامحمد نبيل ، في 21 نوفمبر 2007 الساعة: 08:11 ص

لا أظن واحداً من الذين تفتَّح وعيهم على الحياة الثقافية المصرية مع نهايات الحرب العالمية الثانية، في كل مجالاتها الإبداعية، لم يسمع، أو يشاهد، أغنية «ليالي الأنس في فيينا» التى كتبها شاعر رومانسي النزعة، هو أحمد رامي (1898-1981) الذي كان عاد من باريس بعد أن درس الآداب الشرقية فيها، وترجم منها «رباعيات الخيام» التي غنَّتها له أم كلثوم مثلما غنت الكثير من روائعه وأرقّ أغنياته، قبل أن تظهر في المشهد الغنائي أميرة درزية، هي أسمهان التي تخلت عن الإمارة، وجاءت إلى مصر مع شقيقها فريد الأطرش، ليقتحما حياة الطرب والغناء والموسيقى كالعاصفة الربيعية، خصوصاً بصوتها البللوري (بالغ الصفاء) الذي كان فتحاً جديداً لأفق واعد من الغناء الذي جذب انتباه الجميع، وكان يوسف وهبي، في هذا السياق، نجماً ساطعاً في عالم التمثيل الذي انتقل منه إلى السينما، أو نقلها إليه، خصوصاً في مسرحياته الشهيرة، التي جعل منها أفلاماً، أو أفلامه التي ظلت فضاء لأدائه المسرحي المتميز، خصوصاً في أفق الميلودراما التي حقق فيها ما لم يحققه معاصروه. وقام يوسف وهبي، كعادته، باقتباس قصة حب رومانسية الطابع، لا تخلو من الميلودراما التي كانت ذائعة في ذلك العصر بصفتها دراما الدموع والفواجع التي لا تخلو من غرض أخلاقي تعليمي، وقرر يوسف وهبي إخراج وتمثيل دور البطولة في الفيلم الذي أخذ في إعداده عن الأصل الفرنسي المقتبس، ولم يجد سوى أسمهان من تتحقق فيها ملامح بطلته المتخيلة، فاختارها لتلعب أمامه دور البطولة في فيلم «غرام وانتقام». واختار معها أنور وجدي فتى الشاشة الوسيم في ذلك الزمان، ومعه محمود المليجي في دور ابن عم البطل الذي يعمل وكيلاً للنيابة. وأضاف إلى هذه التوليفة الفنان بشارة واكيم المعروف بخفة ظله كي يخفف بالبسمة والضحكة من قتامة السياق الميلودرامي.

وتدور أحداث الفيلم (الرواية) حول «وجيه» شاب عابث (أدى دوره أنور وجدي) اعتاد أن يلقي بشباكه على الفاتنات اللاتي يقعن، عادة، في هواه، ومنهن المطربة الكبيرة في البلاد التي رضيت به زوجاً، متخلية عن فنها في سبيل الحياة معه، ولكن الزوج المنتظر يأتي جثة هامدة إلى حبيبته في ليلة عرسهما، قتيلاً برصاصات مجهولة، وتحوم الشكوك حول صديق له، موسيقار شاب درس الفن في فرنسا، لكن الأدلة لم تكن كافية لاتّهامه، فتقرر الحبيبة المغدورة الانتقام منه بأن توقعه في شباك غرامها إلى أن يعترف بارتكاب الجريمة وينال جزاءه الذي يشفي الحبيبة من الحزن الأليم. وتبدأ الخطة التي تنتهي إلى النقيض مما خططته لها صاحبتها، إذ ينقلب السحر على الساحر، ويتحول دافع الانتقام إلى رغبة حب نبيل. وتأتي اللحظة الحاسمة حينما يعترف العاشق الجديد لحبيبته بكل ما كانت تجهله عن حبيبها القتيل الذي كان ذئباً في صورة إنسان، شيطاناً تحت قناع ملاك، لم تنج منه حتى أخت صديقه الموسيقار الذي وثق به، وأدخله إلى بيته، فتعرّف بأخته التي سرعان ما خدعها كما فعل مع كثيرات غيرها.

 

وتكتمل المفاجأة الميلودرامية الأولى بابن العم وكيل النيابة، محمود المليجي، وقد أبلغ الجهات الأمنية التي أسمعها اعتراف القاتل بحيلة لم تكن تعرفها العاشقة التي ذابت رغبتها في الانتقام ضمن مشاعر حبّها للموسيقار الذي اكتشفت من كماله وسمو خلقه ما زادها تعلقاً به. ويصحب البوليس العاشق الجديد الذي تبدأ محاكمته، مصدوماً من خيانة من أخلص لها الحب. وسدى، تقسم العاشقة له بأنها لم تكن تعرف شيئاً عن حيلة ابن العم، وتقيم الدليل على حبها بتقديم كل مساعدة ممكنة في الدفاع عن الموسيقار الذي أحبته أكثر من حبها القديم. وينتهي الأمر بأن تبرّئ المحاكمة ساحة الحبيب الجديد، فيعرف مدى إخلاص الحبيبة التي أسهمت أكبر الإسهام في عودته إلى حياة الحرية، فيتجدد حبها في نفسه، ويتعاهدان على الزواج، وينتظرها في يوم معهود، كي تأتي من المصيف، ويبدآن شعائر زواجهما، ويظل يعد الثواني في انتظار قدومها، ولكن تأتي ذروة الميلودراما بأن تصل الحبيبة جثة هامدة، بعد أن انقلبت سيارتها في نهر على جانب الطريق. وتصعق المفاجأة وعي الموسيقار المرهف الذي أصابه ذهول الجنون، وينتهي به الأمر في مستشفى الأمراض العقلية، يرعاه مديرها الذي عطف عليه، وترك له حرية العزف على الكمان الذي أصبح عزفه مهرباً وخلاصاً وفراراً في الوقت نفسه، ويختتم الفيلم بالمشهد الذي بدأ به، لكن مع سؤال الطبيب مريضه ذاهل اللب عن اسم اللحن الذي يعزفه، فيجيب بقوله: لحن لم يتم. وينسدل الستار على يوسف وهبي في ثيابه السود ونظراته التي كأنها تخترق الحاضر إلى ذكريات أليمة، تجسيداً لصورة الفنان الرومانسي الذي يُفضي به فشل الحب إلى الجنون.

وتنتهي ميلودراما الفيلم الذي قد لا يحتمله شباب هذه الأيام الذي لم يعد ذوقه يتحمل الميلودراما التي تحتشد فيها الفواجع والدموع، ولكن الميلودراما كانت فناً جاذباً في مطالع الأربعينات، حيث اكتمل وعي الجيل الذي قرأ المنفلوطي فبكى، كما بكى على دموع العاشق تحت ظلال الزيزفون، ومع عبرات المنفلوطي التي كانت بالغة الذيوع في زمان كان ينتهي فيه الحب إلى الجنون أو الموت، نتيجة أفعال الأشرار من كارهي الحب النبيل الجليل. ولماذا لا نذكر مجنون ليلى لأحمد شوقي التي انتهت بموت العاشقين، ومصرع كليوباترا الجميلة التي انتحرت بسم ثعبان مميت. وقس على ذلك غيره، في سياقات عصر ربط بين الحب المحبط والموت، وبين العبقرية والجنون. ولذلك انبهر هذا العصر بصورة الفتى محسن، عصفور من الشرق، وهو يمضي بثيابه السود في الظلام، تحت المطر المنهمر، أمام تمثال شبيهه ألفريد دي موسيه (1810 – 1857) الذي كان أعلام الرومانسية في مصر وغيرها بدأوا في ترجمة لياليه، وتعلقوا بالهالة الحانية، أو الجنون الرهيف لعيني الشاعر التي تجوب ما بين الأرض والسماء، مستعينة بالخيال الذي يمنح الهباء اسماً ومكاناً، ويزيد من الأثر الميلودرامي لفيلم «غرام وانتقام» أن البطلة أسمهان غرقت بالفعل قبل انتهائه، ولذلك غيّر القائمون على الفيلم النهاية لتتناسب وموتها المأسوي. وكان ذلك قبيل عرض الفيلم بأسابيع سنة 1944، وكان من الطبيعي أن يضيف موت أسمهان العنيف إلى ميلودراما الفيلم ما جعله يحقق نجاحاً لم يحققه فيلم قبله، فظل يعرض سبعة عشر أسبوعاً. وهو رقم قياسي بمقاييس ذلك الزمان.

ولكن ظلت الأغنية الأخيرة التي أرادت بها البطلة توديع جمهورها راسخة في الأذهان، محفورة في القلوب التي تمايلت مع رقصات الفالس التي صاحبت كلمات الأغنية، مكررة رجع المفتتح: «ليالي الأنس في فيينا/ نسيمها من هوا الجنة/ نغم في الجوّ له رنة/ سمعها الطير بكى وغنّى».

وتمضي مقاطع الأغنية في الأفق الرومانسي الذي يجذب القلوب إلى فضائه كما ينجذب شاعر الجمال إلى محرابه، فرحين، آملين، حالمين، يظللهم خيال سارٍ مع الأوهام، وطيف جارٍ مع الأحلام، في نوع من الرؤيا التي تدرك أن اللذة عمرها قصير كالسعادة، وأن على الإنسان أن ينالها من قبل أن تلحق به أجراس عربة الموت السوداء، إذ لا مجال للصبر على الأيام إلا بالانغماس في بهجة الحب التي تدعو العشاق إلى المرح والطرب، وإطلاق سراح القلوب كي تسبح وتطير، تهنأ بقرب من تحب وتسعد بهوى من يؤكد شباب القلب. ويسهل على من قرأ ترجمة رامي لرباعيات الخيام أن يلمح أثرها في «ليالي الأنس في فيينا»، حيث الدعوة إلى الحب لا تنفصل عن مبدأ الرغبة ومقاومة الموت بالحضور المبدع في الوجود، نغماً وموسيقى وحباً وسعادة بين أزواج العاشقين الذين ظلوا يتمايلون، في الأغنية مع أنغام الفالس، داخل فضاء معماري لا يخلو من طراز الباروك الذي تميزت به فيينا القرن التاسع عشر.

وتتردد في أبهاء هذا الفضاء الذي لا فاصل فيه بين الورود والحسان مقاطع من قبيل «إيه رايح يبقى لك من النعيم ده غير ظله». وهي مقاطع تبرر التمتع ببهجة الحياة والحب قبل أن تفوت الأيام من غير أن يتهنَّى الإنسان بها، والربط بين ليالي الأنس في فيينا والجنة التي يخلقها الإنسان موحٍ في مدى يتجاوب فيه رنين الكأس والقوام الميّاس الذي يعاطف الأغصان.

وتتجاوب الصور الحالمة للأغنية مع تداعياتها المجانسة لنوعها في صنع فيينا المجاز الذي يغدو تمثيلاً دالاً على أوروبا في وعي الذين صنعوا الثنائية التي يتضاد فيها الأعلى (أوروبا) والأدنى (الشرق). وكان من الطبيعي أن تتعمق أوروبا الأسطورة وعي الذين تخيلوها، ورأوا فيـــها نقـــيضاً لكل ما في أقطارهم من تخلف واستبداد وفــــساد واستــــعباد وازدراء للفنون التي ترتقي بالأرواح والقلوب إلى آفاق لا نهاية فيها لثلاثية: الحق والخـــير والجمال. وهي الثــــلاثية التي نجدها في أسطورة الغرب الأوروبي المتقدم التي صاغها خيال أمثال محمد حسين هيكل (1888- 1956) وطه حسين (1889-1973) وتوفيق الحكيم (1898- 1987) وغيرهم من الذين أنكروا «قنديل أم هاشم» من أجل أضواء باريس وفيينا وغيرها من العواصم الأوروبية التي ظلت أفئدة جيل ثورة 1919 تهوى إليها.

والروح الرومانسي حال في الأغنية حلول الروح في الجسد، يغوي بصورة «فيينا» التي كانت تنافس «باريس» في وعي الطليعة المثقفة من جيل الليبراليين الكبار، ممن وجدوا مراحهم العقلي والجمالي في أوروبا الفنون والعمارة، وبخاصة الموسيقى التي استأثرت فيينا بصيتها، فهي بلدة موزارت، وبيتهوفن، وشتراوس، وشوبيرت، وهايدن، وفاغنر، وشونبرغ، وغيرهم من أعلام موسيقى المدينة التي ازدهرت فيها عمارة الباروك، وظلت محافظة على مكانتها بصفتها عاصمة الإبداع الموسيقي، متألقة بدار الأوبرا الإمبراطورية فيها، وفرق العزف الفيلهارموني والباليه، جنباً إلى جنب فتنة الحدائق والمتنزهات الساحرة التي تصدح بأعذب الألحان، ابتداء من «الدانوب الأزرق» إلى عشرات غيرها من الألحان الراقصة، ولذلك تعلق بالمدينة المثقفون الذين رأوها موازية لباريس، وتتغلب عليها في الموسيقى والأوبرا والباليه.

والنتيجة هي تعلق خـــيال جيل الثلاثينات من القرن الماضي، وربما قبلها، وعلى امتداد الأربعينات، بإعادة إنتاج أوروبا - الأسطورة، والكتابة عن فيينا التي أصبحت - مثل باريس - مجازاً مرسلاً لها، وذلك على نحو ما ظهر من كتــابة أمثال أحمد رامي وأقرانه من الذين فتنـــتهم عـــواصم الفنون الكبرى في أوروبا، فكتبوا عن جـــمالها كما لو كانوا يكتبون عن الجنة، ولماذا نذهب بعيداً، وفيـــينا نسيمها من هواء الجنة، فيما يقول رامي في أغنيته، تسرح فيها معاطف الأغصان وبدائع الألحان التي إذا «سمعها الطير بكى وغنى».

ويمكن أن أذكر أسماء أخرى إلى جانب أحمد رامي من الكُتَّاب الذين بهروا قراءهم بمشاهد الجمال في فيينا عاصمة الألحان، ولكنني أكتفي بعلي محمود طه، ذلك الشاعر الأبيقوري الذي حملنا على أجنحة خياله كالملاح التائه ما بين «زهر وخمر»، منتقلاً من قارة إلى قارة، ومن مدينة أوروبية إلى غيرها، مصحوباً بإحدى الحسان دائماً، كما لو كانت لا تحلو مدينة أوروبية في عينيه إلا وهو في صحبة حسناء ذهبية الشعر، تكمل له روعة المشهد بالجمال الذي ينبسط على كل مكان، واصلاً ما بين بحيرة كومو وجندول فينيسيا، وغيرها من مواطن الجمال التي تقع ما بين البحر والقمر، أو في أفق الشراع الذي يطوف به الملاح على كل ما هو بهيج وجميل. ولا غرابة، والأمر كذلك، في أن يكتب علي محمود طه عن زيارته منزل الموسيقي الشاعر ريتشارد فاغنر وبصحبته فنانة اسكندينافية، ولا ينسى أن يكتب قصيدته «لحن من فيينا» في ديوان «شرق وغرب»، وهي قصيدة يستوحيها من زيارة فرقة موسيقية ربوع سويسرا، حين كان يزورها، مع حسناء أوروبية كعادته، فأسمعته الفرقة وصاحبته لحن الفالس الكبير، وقصصاً من غابة فيينا، ولحن الدانوب الأزرق، وزهرات من الشرق، بين مظاهر البهجة والتأثّر، وتنتهي القصيدة بالمقطع الآتي:

«يا فيينا أسمعي الدنيا وهاتي/ قصة الغابة والفالس الكبير

أين بالدانوب شدو الذكريات/ وصدى العشاق في الليل الأخير

رحلوا عنك بأحلام الحياة/ غير قلب في يد الحب أسير».

ويبين المقطع - كالقصيدة كلها - عن المنزع الرومانسي الذي انطوى عليه أحمد رامي، وهو يكتب أغنيته «ليالي الحب في فيينا». وينتقل المنزع نفسه إلى فريد الأطرش الذي تعمّد أن تتضمن الأغنية رقصات الفالس، تتهادى بها أزواج العشاق على أنغام تبعث ذكريات فيينا في نفوس عشاقها، وتخايل الذين لم يعرفوها بجنان لا مثيل لها في عالمهم، ومن منظور ثنائية أوروبا المتقدمة الساحرة والشرق الذي يتطلع إليها مفتوناً، حالماً بالوصول إلى ما وصلت إليه، وكان ذلك بعض الرجع الذي تكرر في فيينا الأسطورة التي صنعتها كتابات الذين بهرتهم العواصم الأوروبية التي لم يروا سوى وجهها المغوي الذي أرادو نقل غوايتهم بسحره إلى قارئ عربي، ظل يحلم بأن يعبر البحر الأبيض إلى ضفته الأخرى، حيث باريس «فترينة الدنيا» وفيينا عروس الأنغام والألحان، واختص أحمد رامي «فيينا» بليالي الأنس في أغنيته التي تحولت إلى علامة على عصر ورؤية أجيال.

وأتصور أن كلاً من يوسف إدريس (1927-1991) وصلاح عبدالصبور (1931-1981) كانا من الجيل الذي تركت أغنية أحمد رامي (بصوت أسمهان) أثراً عميقاً في وجدان أبنائه وخيالهم. ولذلك ظل كلاهما منطوياً على الأغنية التي لم ينسياها طوال حياتهما، وحياة الجيل اللاحق عليهما، فجعلها الأول موضوعاً لواحدة من أجمل قصصه القصيرة هي «السيدة فيينا»، وجعلها الثاني تيمة يبني عليها واحدة من ألمع قصائده، وهي «أغنية من فيينا». وكلا العملين يستحق وقفة خاصة به.

 

 

جابر عصفور     الحياة     - 21/11/07//

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : صحافة, قالوا زملائي, نصوص | السمات:, ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر