Yahoo!

قراءة في أحوال المجتمع المغربي

كتبها محمد نبيل ، في 11 أغسطس 2009 الساعة: 09:38 ص

في معنى "البؤس الفرح"

محمد نبيل*

 

 

 

 

 

"إنه القحط.. مرة أخرى ! وفي مواسم القحط تتغير الحياة والأشياء، وحتى البشر يتغيرون، وطباعهم تتغير، تتولد في النفوس أحزان تبدو غامضة أول الأمر، لكن لحظات الغضب، التي كثيرًا ما تتكرر، تفجّرها بسرعة، تجعلها معادية، جموحًا، ويمكن أن تأخذ أشكالاً لا حصر لها".   "عبدالرحمن منيف، نهايات".

 

 

 

مقدمة:

ترددت كثيرا قبل أن أحرر هذه الورقة حول أحوال المجتمع المغربي، نظرا لأسباب عدة، أجملها في تعقد الظاهرة المغربية، (نشير هنا إلى أن الإنسان ظاهرة معقدة و شمولية، لكن الإنسان المغربي له خصوصية في هذا التعقد)، حين يتحول المجتمع المغربي من حالة التناقض و التنافر و المفارقة، إلى حالة الزئبقية و الغموض، الشيء الذي يُصعب مهمة الباحث. هذا الأمر يجعلني أقر، منذ البداية، بأن مساهمتي، تأتي فقط كمحاولة للدخول في رهان الفهم، "فهم المغاربة كأفراد و جماعات، عبر بناء مجال المعرفة، التي من شأنها أن تسهم في خلق تواصل ثقافي و اجتماعي ممكن.

 

 

 

 

والتساؤلات التي أنطلق منها في هذا العمل هي كالآتي: إلى أي حد يمكن أن نقول، إن المجتمع المغربي يتغير أو يتحول أو هو في مرحلة تطور أو تراجع ؟ هل ما يحدث في المغرب حاليا، يعتبر مرحلة انتقالية نحو محطة مغايرة، كما يقول البعض، أم أن ما يقع في مغرب اليوم، هو مجرد لحظة انفصام مغربية قوية، لم تتضح معالم تشخيصها بعد؟ من يقدر على فهم الفرد و الجماعة في المغرب، في ظل تناقضات و مفارقات تغرق المجتمع كل يوم وتربك التحليل؟ هل ما يحدث داخل المجتمع المغربي على مستويات عدة، هو وليد اللحظة، أم نتيجة تفاعلات ما بعد مرحلة " الاستقلال"، أم أن الأمر مجرد أعراض لأمراض اجتماعية، لها جذور في ماضي المغاربة التاريخي؟

 

 

 

 

 

 

في معنى "البؤس الفرح"

قبل كل شيء، إن الظواهر التي بدأت تنتشر في المجالات الاجتماعية المغربية، تقدم لنا مادة أولية، يمكن أن نخضعها للملاحظة السوسيولوجية، مستأنسين بالقراءات العلمية، و "التأويلات الرائجة"،إعلاميا و سياسيا ، والتي تحاول فهم أحوال المجتمع المغربي. هذه القراءات والتأويلات تقدم لنا المغرب، إما في إطار صورة جميلة و فرحة، و إما كصورة للبؤس و الأزمات، لكن وراء الصورتين / الخطابين، يكمن واقع مغربي آخر، غريب جدا، ويجمع مفارقات عدة. ففي قلب الحياة اليومية للسواد الأعظم من المغاربة، تظهر علامات التمزق الاجتماعي، و على سبيل المثال لا الحصر، العديد من المغاربة، يتوفرون داخل بيوتهم على الأدوات التقنية والتكنولوجيا (التي يصدرها الغرب المتطور)، ويستهلكون ما تنتجه العقلانية في أوروبا و آسيا و أمريكا، كالصحون اللاقطة، والشاشات العصرية، وعدد لا يحصى من الأدوات التي يستعملونها يوميا، لكن نسبة مهمة منهم، لا يتوفرون على أدنى شروط الحياة البيولوجية، كغياب المراحيض الصحية، ضيق مكان الممارسة أو الاستمتاع الجنسي، …الخ . ونعلم جيدا أن المكان و الفضاء داخل الأسرة، يلعبان دورا مهما في التوازن النفسي و الاجتماعي لأفراد الأسرة، حسب أبحاث ودراسات عدد من المختصين. السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن تحقيق هذا التوازن في ظل اختلال جنسي أسري؟

 

 إن الممارسة الجنسية ضرورة ذات دلالة، و لها أبعاد متعددة ترتبط بالمقدس و اللذة. "فالاتحاد الجنسي، ما هو إلا لذة صغرى بالمقارنة مع اللذة الكبرى، لذة الاتحاد بالله، لذة الفناء في الله. استمرارية عميقة في المقدس بين النكاح والصلاة، نجد تعبيرا واضحا عنها في "فصوص الحكم" لابن عربي".( انظر عبدالصمد الديالمي، في ذكورية المدينة العربية الإسلامية) .

 

 إن الحيز المكاني ونقصد به الدار أو البيت أو حتى فضاء المدينة أو القرية، مهم للغاية، وعندما يضيق مجاله ، تضيق معه المتعة و الراحة الجنسية، وهو الأمر الذي يؤثر على السلوك الفردي و الجماعي، فالعلاقة بين المجال و الجنس علاقة لا شعورية، تتجلى في وقائع و علامات المجتمع. "فالكثير من المساكن الحضرية ليست وظيفية جنسيا، بمعنى أنها لا تسمح بإشباع الرغبة الجنسية على أكمل وجه. لماذا؟ لأن مسلسل التحضر لم يعن سوى تقلص حجم المسكن، ولم يعن تقلص حجم الأسرة. فالإحصاءات الوطنية المتتالية، بينت أن الأسر الكبيرة الحجم هي الأكثر عددا، وأنها في تصاعد مطرد، الشيء الذي يناقض منطق التحضر في معناه السوسيولوجي… إن مسألة الاكتظاظ في الغرفة الواحدة، تأخذ بعدا أخطر عند ربطها بالممارسة الجنسية. كيف يتم اقتسام مجال المنزل ليلا؟ من ينام مع من؟ هل يتمكن الزوجان من الاختلاء؟ هل يسمح الاكتظاظ بحميمية زوجية كاملة؟" (انظر  بهذا الخصوص كتابات و أبحاث حول موضوع الجنس، د. عبدالصمد الديالمي).

 

هذه الورقة لا تدعي الجواب الكافي و الشافي، عن سؤال أسباب وصول المجتمع المغربي إلى هذه الحالة من التمزق الاجتماعي، بل هي مساهمة أولا، في بناء مجال المعرفة حول هذا المجتمع ، وثانيا مساءلة الممكن، و المشاركة في تأسيس إدراك موضوعي للمجتمع  المغربي الذي يظل ، في عدد من حالاته، عصيا على الفهم، و في غياب الفهم الذاتي، يستحيل أن يسود التنوير داخل المجتمع، على حد تعبير الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الذي يجيبنا عن كيف يمكن للإنسان أن يخرج من قصوره، ويقدر على استخدام فهمه دون قيادة الغير.( راجع نص: ماهو التنوير،؟ لإيمانويل كانط).

 

 

 

 

إن الجمع بين كلمتي " البؤس و الفرح" في الذات والصفات المغربية الواحدة، الغرض منه التعبير عن الوجه المعقد جدا، و المتشابك للمجتمع المغربي، و هذا الأمر يفهم إلى حد ما، عند ما نربط الحالتين "بالضياع" الذي تطبع العديد من أوجه المجتمع. وأعني بكلمة "ضياع" حالة "اللافهم" العسير التي تسكن الذات المغربية، في مقابل حالة "الفهم الواضح" الذي يسمح نظريا على الأقل، بالحديث عن مفهوم "الأزمة ".

 

وبما أن الهدف هو إدراك الطوق المفقود، لابد من توضيح هذا الجمع الغريب بين بؤس المغربي (مؤشراته هي ارتفاع نسبة الفقر و الأمية، وهبوط معدل النمو، و غياب شروط البحث العلمي، و تراجع القراءة بشكل فضيع في صفوف الشباب، انحصار حرية التعبير، ضعف الثقافة الصحفية مهنيا و أخلاقيا، تخلف التربية و التعليم، وتراجع معدلات التنمية…الخ)، و فرحته الظرفية التي يعبر عنها في مناسبات عدة، و كأنها قاعدة تؤسس سلوكه اليومي. (يمكن ملاحظة حالات الابتهاج المغربي أمام شاشات التلفزيون، في الشارع، في تجمعات ولقاءات الأفراد و الجماعات…الخ ). وإن وظفنا لغة الفيلسوف "رينيه ديكارت"، يمكن القول، إن هذا التكيف و الانصهار الشقي للفرد المغربي، يقع داخل مجتمع يضمر الجوهر ويظهر العَرَض.

 

 

 

 

الأشياء و الظواهر التي تحصل في المجتمع المغربي على مستويات سيكولوجية واجتماعية و اقتصادية و إعلامية تدفع الباحث، ليس فقط إلى إخضاع الوقائع إلى التفكيك و إعادة البناء، بل النظر كذلك في هذه الذات المغربية، كدليل (بالمعنى اللساني) على وجود شروط ما تؤسسها، و نعني بذلك، أسباب تشكل "الضياع المغربي " كظاهرة اجتماعية. ويمكن في هذا السياق، التفكير مثلا في تأسيس "سوسيولوجيا الضياع" ،كتخصص يعنى بدراسة هذه الظاهرة. عمل من هذا القبيل، لا يتأتى، إلا بالابتعاد عن تلك النظرة التي يلفها إما الحنين، و التأسف على ما كان كفردوس مفقود، من قبيل القول بتاريخ المغرب المجيد و العريق، أو الفرح الذي يطبع قراءات متسرعة ، تحاول تناول مشاكل و عوائق المجتمع المغربي، بطرق غير علمية وبإفراط، كأن يقال "بأن كل شيء على ما يرام"، إنها مرحلة انتقالية… الخ. هذه "القراءة الفرحة" تشترط محددات علمية من بينها، أن الانتقال من مكان إلى مكان، يتطلب معرفة نقطة الانطلاق. وفي نفس "السياق الفرح"، هناك لجوء اجتماعي مغربي إلى خطاب ماضوي، يكثّر من توظيف "فعل كان"، و يغرق الذات في دوامة فكرية و إيديولوجية… يجب في نظرنا المتواضع، التوجه أكثر فأكثر إلى تكوين رؤية موضوعية، بما تحمله هذه الموضوعية من حدود، و نقف عند ملامح الأشياء و الظواهر المغربية التي يفرزها المجال الاجتماعي. صحيح، إن تنوع وتعقد مكونات المجتمع المغربي الثقافية، يجعل من المغرب جديرا بالاهتمام النظري و العملي، و لعل من بين أهم المجالات التي من الممكن أن نرصد من خلالها أحوال وأهوال المجتمع، هو تلك الصورة التي تبنى حول شخصية المغربي (البناء للمعلوم و للمجهول). و نقصد بهذه العملية، ذلك البناء الاجتماعي للواقع/الصورة( هناك توجه نظري في مجال "سوسيولوجيا المعرفة" يدعى "البناء الاجتماعي للواقع"، و أسسه الألمانيان "بتير بيرغر وتوماس لوكمان" بعد إصدارهما لكتاب في الموضوع عام 1966).

 

إن الكلام عن الصورة التي تؤسس تمثلاتنا ورؤيتنا للمغاربة، لابد و أن يستحضر ماهية الصورة ووظائفها المختلفة و المتعددة، وبدونها لا يمكن تفكيك ما يقال و يكتب عن المجتمع المغربي. لابد من التذكير بأن دلالة الصورة إشكالية، فعندما نستعمل هذه الكلمة، مثلا في اللغة الألمانية الغنية بتراكيبها، نجدها تشير إلى لفظ    Vorstellung   و يعني ذلك " التقديم و التعريف و العرض و التصور و التخيل" (Götz Schregle, 1355) . الصورة ترتبط كذلك بمعاني مغايرة، فهي تحيل على الشبح، النظرة، السيمولاكر و التمثل . "إنها عبارة عن إنتاج حسي أو ذهني، و هي تقدم لنا معنى للمشاهدة، حسب الفيلسوف فولتير . إن تمثل الصورة الحسي يبنى على نشاط العقل، و يرمي إلى تشكيل فكرة مجردة "( لالاند، ص464-467) .

 

الكلام عن بناء الواقع المغربي، لا يمكنه أن يستقيم على مستوى الإدراك و الفهم، إلا عندما نأخذ المتغيرات الكونية بعين الاعتبار و على رأسها،  زخم الصور التي تحاصرنا في كل مكان ، الخاص منه و العمومي،  والتي بدأت تؤسس جانبا مهما من الشخصية المغربية. لم نعد كما كنا قبل عشرين عاما، حين كانت المعلومة و الخبر يخضعان لرقابة شبه مطلقة، لكن في ظل المتغيرات العلمية و التكنولوجية التي أتت بثورة رقمية، وبإمكانيات جديدة في التواصل البشري، أضحى تضخم المعلومة واقعا يوميا، يتجاوزنا كذوات و كمجتمع، بل يزعج في أحيان كثيرة الإدراك و المعرفة و الفهم.

 

وإذا أردنا أن نبحث في مفاهيم و دلالات المتغيرات، و الثوابت التي تطبع صورة المجتمع المغربي، قصد التوصل إلى دقة المعنى و صفاء الفهم، لابد لنا من أن نزاوج بين إنصاتنا إلى خطاب العوام، كلاما و لغة ، و قول الثقافة العالمة، حتى نبلغ إلى المقصد، ونرفع الستار عن رائحة الحيرة، التي تنبعث من أفواه المغاربة . هناك معطيات ثقافية مهمة، يمكنها أن تنير لنا الطريق، لتشخيص أبعاد السؤال حول طبيعة المجتمع المغربي المغرية للبحث.

 

عندما نمعن النظر في الخطابات المتداولة، نلمس ما يعانيه المغاربة من غموض و قلق و إحباط (القلق و الإحباط بالمعنى التحليل نفسي). فمن الطبيعي أن تحس الفئات المسحوقة بالغبن و بالتذمر، عندما تنظر إلى الفئات المحظوظة، التي تتسع سلطاتها الاجتماعية(السلطة هنا بمعناها المادي و الرمزي). هذا الوضع يولد لا محالة، مجالات اجتماعية مطبوعة بالتمزق. فالذات المغربية بدأت تنطق جملا مبعثرة، و بلغات و لهجات مختلفة، و ترى العالم برؤى متناقضة، و مفارقة أحيانا، وتلبس ألوان تفتقد إلى المعنى، و تجهل السبب، في ما حصل و يحصل في اليومي من مظاهر ووقائع. أما تاريخ المغربي فهو مليء بعلامات تجمع بين الاستغراب والمفارقة، فهو" تاريخ الأنفة و الاستقلالية، و الموت من أجل الأرض والعرض، و هو في الآن نفسه تاريخ التبعية و الخضوع، و احترام التراتبيات الدينية و السياسية "(راجع مقال نورالدين الزاهي، المغاربة و الاحتجاج، ص10) . فهل يمكن القول، كما عبر عن ذلك الفيلسوف كانط ، "إنه لمن المريح جدا أن يكون المرء قاصرا . فالكسل والجبن هما السبب الذي يجعل طائفة كبيرة من الناس يظلون، عن طيب خاطر، قاصرين طوال حياتهم، حتى بعد أن تكون الطبيعة قد حررتهم، منذ مدة طويلة، من كل قيادة خارجية، والذي يجعل آخرين ينصبون أنفسهم بسهولة أوصياء عليهم". (راجع نص: ماهو التنوير؟ لإيمانويل كانط، في طبعته الأصلية و ترجماته إلى العربية و الفرنسية )

 

وفي الوقت الذي أضحت فيه الذات المغربية تجهل الموجود قبل الوجود، و التاريخ قبل الجغرافيا، أي و باختصار شديد، تعيش حالة فقدان لمعنى الوجود الاجتماعي، نجدها تحاول الخروج من بوتقة الضياع و التمزق الكائن بين احتفالية الفرح ولعنة البؤس. إن الكلام عن هذا النوع من الاغتراب، تؤكده أرقام و وقائع ودراسات علمية، و كذا الملاحظة العينية التي تفي بالغرض، وتلبي حاجة الفهم، الشيء الذي أوجب مساءلة أصول ومعاني الضياع المغربي(على سبيل المثال، تقارير المنظمات الدولية في مجالات التنمية و حقوق الإنسان، ودراسات العلوم الإنسانية المغربية و الإستشراقية حول المغرب).

 

بول باسكون مثلا يقدم لنا نموذجا دالا عن حالة التمزق المغربي، ويسمح لنا بالغوص العميق في بنية المجتمع ، و الأمر يتعلق بالحكاية التالية: "شاب يحمل شواهد، ويرتدي بذلة عصرية، ويتلفن إلى مسؤول إداري. إنه ينطق بكلمات عربية، ويوصي بتشغيل فلان بالفرنسية، ولكنه أمام تحفظات المسؤول يعاود الكرّة بثلاث حجج، إنما بالعربية هذه المرّة: إن قريبا للشخص المقترح قد فقد عمله، وأن العائلة أصبحت بدون مورد، وبأنها تنتمي إلى قبيلة من وسط المغرب… ولكنّه يواجه في الأخير، برفض مبني على القانون، هذا دون أن تكون مؤهلات المرشح قد ذكرت. وبإمكاننا إيراد أمثلة أخرى إلى ما لا نهاية: فكلّنا يجرّ وراءه جلبة التاريخ ومخلفاته"( بول باسكون،"طبيعة المجتمع المغربي المزيجة").

 

ينبهنا الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، إلى شيء أساسي وهو، "أنه ليس لنا الحق في قول كل شيء، و لا الحديث عن أي شيء في أية مناسبة "( فوكو، ص 9) . و إذا كان م. فوكو، يتحدث عن المجتمع الغربي بهوامشه الديمقراطية الضيقة و العريضة، فكيف يمكن التحدث والكلام عن مجتمعات، مازال فيها الرأي المخالف لما هو سائد أو مكبوت اجتماعيا، يشكل نشازا، و خطرا يؤدي بصاحبه إلى سلسلة من العقابات الاجتماعية والسياسية المتنوعة و المختلفة، في مجتمع أضحت فيه العصبية القبلية،" لربما أقوى مما كانت عليه في العصر الجاهلي نفسه. "( الجابري، ص59). وسؤالنا الأساسي في هذا الإطار، هو حول المغزى من وراء هذا النوع من الانغلاق، الذي يجعل في أحد وجوهه، المغربي غريبا عن وسطه، و حلمه في الحياة. إنه يستورد بضائع يجهل مقوماتها العقلية و أسسها الثقافية، (بحكم الفارق المعرفي و الثقافي و الحضاري بين المجتمع المغربي و المجتمعات في الغرب المتطور)، أما لسان حاله فيقول، وكما عبر عن ذلك ببلاغة قوية برهان غليون :" ليس هذا الزمان زماني فأنا فيه وحيد ، و ليس في هذا المكان مكاني، فأنا عنه غريب "( غليون، ص107).

 

و إذا كان النطق بالأحكام دون معرفة الشروط و الأسباب، يعد عملا فاشلا، فإن البحث عن جذور شقاء الوعي ومحنة المغربي، تظل مهمة آنية لا محيد عنها، للفهم و التحليل، و بلوغ نوع من الاطمئنان الفكري. مهمة من هذا النوع، لا يجب أن ترهنها تلك القوة الجامحة، لرد كل تخلف إلى الاستعمار أو الغرب و مآسيه، فأسباب الضياع المغربي منغرسة في التاريخ و الوعي الفردي و الجمعي، أما هذا الغرب الذي يلعنه الكثير، " فيشكل في العالم مشكلة تتحدى بذاتها الوعي العربي و تمزقه، فهو المسيطر و المهيمن، و الجبار المتكبر الذي لا هدف له سوى الإطباق على الشعوب، و نهبها و تدميرها "( غليون، ص107). إن السقوط في الأحادية، هو محاولة لتبرير الواقع و بناء إيديولوجي للمأساة. أما تضارب الأفكار و الآراء التي مازالت سجينة ثنائية "غرب /شرق" (المغلوطة، تاريخيا و جغرافيا و حتى حضاريا)، لا يمنع من طرح جريء للسؤال الإشكالي التالي: هل ما يرزح تحته المغاربة اليوم، وليد حاضرهم أي منذ القرن الماضي لحد الساعة،  أم أن محنتهم ترتبط بتراكمات تاريخية قديمة ؟

 

 

 

 

يدفعنا فضولنا المعرفي، عند قراءة متأنية في حركية الإعلام المغربي منذ مرحلة "صحف المعمر" إلى الآن،  نحو التساؤل مرة أخرى، حول جدوى ومعنى "الضياع المغربي"، الذي أغرق الذات المغربية، في ظل سياق رأسمالي جارف. الكلمات و الألفاظ و الألقاب والممارسات، أصبحت في متناول أغلب الأفراد، وهي تغلّف كل المعاني الأصيلة بمفردات ممسوخة، فأضحى "الفن" و صفة "فنان"، مثلا، على ألسنة عدة، إلى درجة الابتذال. إن الفن عند الفيلسوف هيجل، ليس مجرد استنساخ وتقليد، بل هو أكثر من ذلك، إنه يعبر عن العقل ويجسد الحقيقة كمثال.  الفن والإبداع، لا يختزلان في أحاسيس أو عواطف أو حتى في موهبة ما. إنهما يمثلان فلسفة و تصور و تاريخ و إستراتيجية ثقافية و سياسية، يحاور بواسطتها مجتمع ما غيره. فكيف يتم الحوار الثقافي، و ضياع الذات ما زال منتصبا ؟

 

المتتبع للحركة الثقافية و الفنية المغربية، يستشف أن حركة الأجساد غابت عنها حروف الجمال، و حل محلها طوفان من صور هستيرية، تستنطق الشهوات، و تستجيب لرغبات حيوانية، لا تفعل ولكنها تنفعل. الجسد المغربي كمثيله في بلدان المغرب العربي  يحمل دلالات معينة، إنه ، وكما يقول مالك شبل،" جسد نصي متمفصل حول حركات متنوعة و كلية، تستدعي بعض التدقيقات… الجسد هو ظاهرة ثقافية أبعد من أن تكون محايدة" (شبل، ص47). فالجسد الضائع و المستقر، يعبر عما يعتري المجتمع من خفايا ، و صمت ومسكوت عنه في داخل المجتمع الواحد .

 

الفن لا ينفصل عن الفعل الثقافي المغربي. وبوابة هذا الفعل، القراءة، كقضية تواجه المجتمع المغربي اليوم، فنحن نلاحظ الضعف و التراجع عن الإطلا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

وداعا فاكهاني …وداعا

كتبها محمد نبيل ، في 19 يونيو 2009 الساعة: 00:10 ص

*محمد نبيل
 
مات و لم يمت، و بين الموتين يظل اسم الكاتب و الصحافي الراحل عبدالفتاح فاكهاني شامخا . وإذا كان الموت يغيب الأجساد، فثروة فاكهاني منتصبة لا تغيب، فهي قلمه و حروفه و أحلامه، أحلام لا يقاومها غبار اليأس وأنين اليومي. فهذا قبرك، لا تنال منه الدموع أو الآهات، و لا حتى حرقة الفراق.
 
 يا صديقي ويا رفيق الكلمة الحرة ، بعد اليوم، لن يعود بك الحنين إلى تاريخ رحل أو لحظات انطفأت أنوارها …سيحتاج جسدك الموشوم بذاكرة الماضي و الحاضر، إلى أن يطير  كفراشة ، مرات عدة ومن فضاء إلى آخر. سنحتضنك في الرباط و مراكش و في كل مكان … لن ننتظر أن تفتح الأرض تلك البوابة المعروفة بضيمها و اغترابها. سنكون أنا و أنت و هم و هن في الموعد، مرفوعي الهامة ، نتذكر ما رأته عيناك طوال ستين عاما .
 
ما زالت جلستنا الرباطية راسخة في ذهني، كانت شهادة أبدية، وقعها "باعروب" ، الفنان الذي نحت سخريته على صخور الوطن، وطن حولنا، أنا و أنت و العديد ممن احترف لعبة الانبعاث، من قلم يكتب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

“طنجرين” ، فيلم ألماني يتحدث عن الفقر و العهارة في المغرب

كتبها محمد نبيل ، في 15 مايو 2009 الساعة: 17:16 م

 
 
محمد نبيل
 
يعرض في القاعات الألمانية لفيلم "طنجرين" و هو من إخراج الألمانية إيرين فون ألبيرتي، و من إنتاج مشترك بين منتج ألماني و المنتج المغربي كريم الدباغ. و كان "طنجرين" عرض الأسبوع المنصرم في العاصمة الألمانية برلين للمرة الأولى في لقاء خاص بالجمهور .
 
 الفيلم يروي قصة اجتماعية حول الفقر و الدعارة في طنجة، و صور بكامله في هذه المدينة ، بمشاركة ممثلين مغاربة من بينهم الممثلة الواعدة نعيمة بوزيد و الممثل سعيد باي و الفنان العربي اليعقوبي و صابرينا الوزاني ، هذا إضافة إلى ممثلين ألمان وعلى رأسهم ، نورا فالدشتيتن و الكسندر شير .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حكاية يوسف

كتبها محمد نبيل ، في 29 مارس 2009 الساعة: 23:48 م

 

   

   محمد نبيل
للحياة بداية و نهاية، لكن يوسف له بدايات ونهايات عدة. استيقظ كعادته لمواجهة يوم جديد، يهتز من مكانه، يجرجر رجليه، يتعثر بكل ما يصادفه بطريقه، حركات يديه تشير إلى أفول جديد يهدد حياته. رائحة نبيذ أبيض لم يألفها سكان العمارة التي يقطنها، تنبعث من شعره كبخار يتصاعد من داخل رأسه، فمه فاض بكل اليأس المتحشرج داخل قلبه، وأصبح لا يحتمل كبت انتظارا ته.
 
قرر يوسف وضع نهاية لثلاثين عاما من الترحال. أراد أن يصرخ صرخته الأخيرة وهو بين جدران غرفته الرمادية. يوسف، مهاجر فوق العادة، يجر وراءه أينما حل و ارتحل، مئات الفصول، وملايين الساعات، و أطنان من الأفكار و الذكريات، التي أضحت تثقل كاهله. أما أمه فمازالت تنتظره في تلك القرية التي نسي الناس اسمها، و هجرها جل قاطنيها. عندما قدم يوسف إلى تلك المدينة اللامعة، رأى وجوها هجرتها الابتسامة، وقبورا يعشق الراقدون تحت التراب الجلوس فوقها، كان يبحث عن رائحة، تشبه رائحة كسرة الخبز المحروقة التي كان خباز قريته يهديها إليه كل يوم، فيداعبها مرات عدة قبل أن يبلعها.
 
كان يوم الأحد، عام 2000، لم ينظر يوسف كعادته إلى صورة أمه المعلقة بجانب سريره .. نظر لأول مرة إلى السماء، ثم علق رأسه على جدران غرفة نومه. آلاف الليالي كانت تنتظر رحيل يوسف عن سجنه. هجراته كانت هي معتقله، يشاهد من تحت أسواره البراقة، وأمام نساءه الجميلات، كتل السحب و هي تتحرك في اتجاهات مختلفة . يلعن كل فروج الحيوانات، و كل يوم يسأل نفسه أكثر من مئة مرة : لماذا أصبحت كآلة مسخرة أحمل معطفي، و حذائي، و أوراقي حتى أوهم نفسي بأنني إنسان، له روح تهبط و تصعد، تتنزه في الأسواق و الساحات العمومية ؟
 
 يوسف لم يكن يتردد في مجابهة نفسه: إنني حيوان لا يحب. كانت تساؤلات عدة تتزاحم في رأسه، أحس بألم غريب يفجر دماغه. توقف دقائق قبل أن يخطط بيده اليسرى على الحائط ، جملة كتبها باللغة الألمانية –So ist das Leben  - وتعني "هكذا هي الحياة" ، و كأنه استسلم لقدر هفوات الزمن الغادر الذي يبدو أنه وصل إلى نقطة اللاعودة.
 
يوسف رجل صامت، لا يتقن إلا لغة أنامله، يشير بها إلى السماء عندما يكون حزينا، و إلى النجوم المحملة بكرات ثلجية صغيرة، عندما يريد أن يتخلص من وضعية تزعج راحته. أحس أنه مجرد من كل ثيابه، يناجي المجهول، وكأن شيطانا ماكرا يضلله عندما يرغب في قضاء حاجاته. مل نظرات الآخرين الشاردة، و شبع من غضب عصافيره التي تحررت ثوان معدودة، قبل رحيله الأبدي. كان منتصبا بين ثنايا حبل مشنقته، فهو اختار المكان و الزمان ولعبة النهاية، كما اختار العبور إلى مدن أوروبا المعزولة. صارع الحياة و الموت، وحاول ست مرات تناول السم طواعية أمام عصفوره اليتيم، لكنه في المرة السابعة، قرر أن يرمي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رحيل هرم السوسيولوجيا المفكر المغربي عبدالكبير الخطيبي

كتبها محمد نبيل ، في 16 مارس 2009 الساعة: 12:18 م

 
 
 
انتقل إلى عفو الله,الكاتب والباحث الجامعي المغربي عبد الكبير الخطيبي, في الساعات الأولى من صباح اليوم الإثنين في أحد المستشفيات بالرباط, عن عمر يناهز71 عاما, بعد معاناة مع المرض, حسبما علم من زوجته.
ودرس الفقيد عبد الكبير الخطيبي, المزداد سنة1938 بمدينة الجديدة, علم الإجتماع بجامعة السوربون( فرنسا), حيث حصل على الدكتوراه في السوسيولوجيا حول أطروحة "الرواية المغاربية" عام1969 .
وتقلد الفقيد عدة مناصب أكاديمية, حيث شغل أستاذا جامعيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط, وأستاذا مساعدا ,ثم مديرا لمعهد السوسيولوجيا السابق بالرباط , فمديرا للمعهد الجامعي للبحث العلمي.
انضم عبد الكبير الخطيبي إلى اتحاد كتاب المغرب في ماي عام1976 . وعمل رئيسا لتحرير "المجلة الإقتصادية والإجتماعية للمغرب ", كما كان يدير مجلة (علامات الحاضر). وتتميز مجالات إنتاجه بالتعدد والتنوع بين الكتابة الإبداعية (الشعر, الرواية, المسرح…) والدراسة الأدبية.
ويعتبر الراحل عبد الكبير الخطيبي ,الكاتب المغاربي باللغة الفرنسية روائيا وشاعرا وعالم اجتماع مرموق ومختص في الأدب المغاربي, ونشر قصصا وروايات ونظم قصائد تناولت فضاءات مختلفة.
ومن بين أعماله, التي تفوق25 مؤلفا, "الذاكرة الموشومة" (1971 )

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي